إيران - قراءة في سيناريوهات الغزو البري

زياد الزبيدي
2026 / 4 / 5

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

6 نيسان/أبريل 2026

في مقاله المنشور بتاريخ 2 نيسان/أبريل 2026 على موقع “مؤسسة الثقافة الإستراتيجية”، يقدّم الكاتب والمحلل الروسي فلاديمير بروخفاتيلوف قراءة تفصيلية لسيناريوهات محتملة لعملية برية أمريكية ضد إيران، في سياق التصعيد العسكري الذي أعقب العزوان الأمريكي الإسرائيلي.

النص، في جوهره، لا يكتفي بوصف العمليات، بل يطرح أطروحة واضحة: أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، قد تكون دخلت مرحلة العجز الإستراتيجي أمام نموذج إيراني مختلف للحرب.


أولًا: من “الصدمة والترويع” إلى حرب الإستنزاف

ينطلق بروخفاتيلوف من فرضية مركزية مفادها أن الحرب لم تسر كما خُطط لها. فالعملية التي صُممت كـ حرب خاطفة «بليتزكريغ جوي–بحري متعدد المجالات بهدف شلّ القيادة الإيرانية وتدمير بنيتها النووية والصاروخية»، تحوّلت سريعًا إلى: «حرب إستنزاف طويلة الأمد». هذه النقلة، وفق النص، ليست مجرد تطور ميداني، بل فشل في الفرضيات النظرية الغربية، وبالتحديد فكرة أن “قطع الرأس” (decapitation) يؤدي إلى إنهيار الدولة.

فعلى الرغم من الضربات القاسية التي أدت إلى مقتل شخصيات عليا في النظام الإيراني، فإن: «الإفتراض الأساسي بأن الضربة الهيكلية ستؤدي إلى إنهيار عسكري شامل، تبيّن أنه خاطئ بشكل كارثي».


ثانيًا: العقيدة الإيرانية – “الدفاع الموزاييكي”

يضع الكاتب ثقل تحليله على ما يسميه: «عقيدة الدفاع الموزاييكي اللامركزي»
وهي، بحسب وصفه، أحد أهم الإبتكارات العسكرية في القرن الحادي والعشرين، إذ تقوم على: تفكيك مركزية القرار العسكري، وتوزيع القوة على شبكات شبه مستقلة، وتحمل الضربات دون فقدان القدرة التشغيلية.
ويقتبس بروخفاتيلوف من تقديرات غربية ترى أن هذه العقيدة: «تتحدى النماذج الإستراتيجية السائدة الغربية القائمة على المعركة الحاسمة والسيطرة السريعة»
بمعنى آخر، إيران لا تسعى إلى “النصر الحاسم”، بل إلى إفشال شروط النصر لدى الخصم.


ثالثًا: حدود القوة الجوية – عندما يصبح القصف غير كافٍ

أحد أهم إستنتاجات المقال أن التفوق الجوي، رغم فعاليته، لا يحسم الحروب بمفرده.

فقد أظهرت الوقائع – بحسب الكاتب – أن: «القصف الجوي، دون عملية برية فعالة، يملك قدرات محدودة للغاية»
ويستشهد بإغلاق إيران لمضيق هرمز، وقصفها أهدافًا في الخليج، كدليل على أن القدرة على الصمود والمبادرة لم تُكسر.


رابعًا: الكلفة الخفية للحرب – إستنزاف الترسانة الأمريكية

يقدّم النص معطيات لافتة حول الكلفة: مليار دولار خلال أول 100 ساعة فقط، إستنزاف سريع لصواريخ “توماهوك”، إستخدام مفرط لصواريخ SM-3 وSM-6، والتحول لاحقًا إلى ذخائر أرخص مثل JDAM
ويخلص إلى أن: «الوتيرة العالية للحرب إستنزفت بسرعة مخزونات الصواريخ الباهظة»
وهنا يظهر البعد الإستراتيجي الأعمق: الحرب ليست فقط مواجهة ميدانية، بل إختبار لقدرة الإقتصاد العسكري على الإستمرار.


خامسًا: السيناريوهات البرية – بين المغامرة والمأزق

1. سيناريو السيطرة على المواد النووية

يُعدّ هذا السيناريو الأكثر “تقنيًا” وخطورة، حيث يتضمن: إنزال قوات خاصة، إقتحام منشآت تحت الأرض، والتعامل مع مادة UF6 شديدة السمية.
ويحذر النص من أن: «الظروف التشغيلية تمثل مخاطر غير مسبوقة» بل ويضيف أن أي خطأ قد يؤدي إلى كارثة كيميائية وإشعاعية.
ورغم أن بعض التقديرات الأمريكية ترى أن فرص النجاح: «متوسطة إلى عالية» إلا أن القراءة الروسية تميل إلى العكس، معتبرة أن: «إحتمال النجاح ينخفض إلى الحد الأدنى» بسبب الألغام، والدفاعات، وإمكانية تدمير المواد من قبل الإيرانيين أنفسهم.


2. سيناريو إحتلال جزر مضيق هرمز

هذا السيناريو يهدف إلى السيطرة على “حاملات طائرات غير قابلة للغرق”، مثل أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى.
ورغم أن فرص النجاح العسكري: «مرتفعة»
إلا أن التداعيات خطيرة:
خسائر بشرية كبيرة، تهديد إيران بضرب بنية الإمارات،
وإحتمال تحول العملية إلى: «مغامرة مكلفة وفاشلة سياسيًا».


3. سيناريو السيطرة على جزيرة خرج النفطية

هنا يتحول الهدف إلى خنق الإقتصاد الإيراني.
لكن الكاتب يلفت إلى معضلة جوهرية: «حتى النجاح التكتيكي قد يكون إنتصارًا بثمن باهظ وأقرب إلى الهزيمة» بسبب: القصف المستمر من البر الإيراني، إحتمال تدمير المنشآت النفطية، وخطر كارثة بيئية إقليمية.


سادسًا: السيناريوهات المستحيلة

يرفض بروخفاتيلوف خيارين بشكل قاطع:
•العمليات المحدودة: ستُدمَّر أو تُؤسر
•الغزو الشامل: سيصبح «فيتنام ثانية للولايات المتحدة»


سابعًا: الخلاصة – إنتصار إستراتيجي إيراني؟

ينتهي المقال بخلاصة جريئة: «يمكن الإستنتاج أن إيران حققت إنتصارًا إستراتيجيًا عبر فرض سيطرتها على مضيق هرمز وعدم تراجعها أمام قوة متفوقة».
هذه الخلاصة تعكس رؤية مدرسة جيوسياسية روسية ترى أن مقياس النصر لم يعد السيطرة، بل القدرة على منع الخصم من تحقيق أهدافه.

خاتمة

ما يقدّمه بروخفاتيلوف ليس مجرد تحليل عسكري، بل إعادة تعريف لمفهوم القوة في الحروب الحديثة: القوة لم تعد في الضربة الأولى، ولا في التفوق التكنولوجي، بل في القدرة على الإستمرار وإفشال العدو.
وبهذا المعنى، فإن “الحرب الموزاييكية” الإيرانية – كما يصوّرها المقال – تمثل تحديًا حقيقيًا للنموذج العسكري الغربي، وقد تكون مؤشرًا على تحول أعمق في طبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي