|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 4 / 4
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
4 نيسان/أبريل 2026
في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، لم تعد الحروب تُخاض كما عرفها القرن العشرون، ولا حتى كما تصوّرها منظّرو القوة الكلاسيكيون. فالجبهات لم تعد خطوط تماس بشرية كثيفة، والهجوم لم يعد إندفاعًا ميكانيكيًا صاعقًا، بل تحوّل تدريجيًا إلى صراع إستنزاف ذكي، تقوده الخوارزميات، وتُحسم موازينه في السماء المنخفضة حيث تحلّق الطائرات المسيّرة.
في هذا السياق، تقدّم النصوص الأربعة لباحثين روس — لكل من ألكسندر ستافر، وألكسندر خارتشينكو، ويوري بارانتشيك، وروستيسلاف إيشينكو — مادة تحليلية ثرية، تكشف من زوايا مختلفة عن ملامح «الحرب الجديدة»؛ حرب تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الإقتصاد، والإستراتيجية مع النفسية الجماعية، والسياسة مع حدود القوة النووية.
أولًا: من «الإندفاع» إلى «الإستنزاف الذكي»
يضع ألكسندر خارتشينكو إصبعه على التحول الأكثر جذرية في ساحة المعركة حين يقول: «لقد أصبحت الطائرات المسيّرة تهيمن بشكل كامل على ساحة المعركة… أما الآن فلا يصل إلى الهدف إلا المحظوظون».
هذا التحول لا يعبّر فقط عن تطور تقني، بل عن إنقلاب في طبيعة القتال نفسه. فالجبهة، كما يصفها، «أصبحت شبه خالية من البشر»، حيث لم يعد الاشتباك المباشر هو القاعدة، بل الإستهداف عن بُعد، والمراقبة المستمرة، والقتل المؤتمت.
ويؤكد خارتشينكو أن المشكلة لم تعد في نقص الجنود أو حتى في حجم القوات، بل في حدود الإنسان نفسه: «بلغ الجندي حدوده البشرية القصوى… وكما يبدو بديهيًا، فإن الأذكى هو من سينتصر».
وهنا، تنتقل الحرب من كونها إختبارًا للقوة البشرية إلى كونها إختبارًا للقدرة على الإبتكار، والدمج بين الأنظمة، وإنتاج تفوق نوعي في بيئة مشبعة بالمخاطر.
ثانيًا: الجبهة كـ«منطقة قتل ذكية»
يتقاطع هذا التحليل مع ما يقدمه يوري بارانتشيك، الذي ينقل النقاش من الوصف الميداني إلى قراءة ديناميات التقدم العسكري. فهو يلاحظ أن الأرقام لا تشير إلى توقف الهجوم، بل إلى تباطؤه: «الإحصاءات تظهر ليس توقف الهجوم، بل إنخفاضًا تدريجيًا في سرعته بعد ذروة نهاية 2024».
لكن السبب، كما يوضح، أعمق من الطقس أو الجغرافيا: «تحولت الجبهة إلى منطقة مشبعة بالطائرات المسيّرة… أي تجمع يُكتشف بسرعة ويُدمّر».
بهذا المعنى، لم تعد الجبهة خطًا دفاعيًا أو هجوميًا، بل «بيئة مراقبة ونيران كثيفة»، حيث يصبح البقاء نفسه إنجازًا تكتيكيًا. ولذلك يصف التقدم بأنه لم يعد «إندفاعًا»، بل: «تقدم بطيء عبر الضغط، حيث يمكن إحتلال الموقع، لكن دون حماية يُقضى على من فيه بسرعة».
إنها حرب تُكافئ الحذر، وتعاقب التجمّع، وتحوّل كل خطوة إلى مخاطرة محسوبة.
ثالثًا: وهم الحسم السريع
في المقابل، يذهب ألكسندر ستافر إلى نقد البنية الذهنية التي لا تزال تراهن على الحسم السريع، محذرًا من الميل إلى التقليل من شأن التهديدات. يقول بوضوح: «نحن عمليًا دائمًا نقلل من شأن التهديدات»،
مستحضرًا ذاكرة تاريخية تنتقي الإنتصارات وتتجاهل كلفتها البشرية.
لكن تحذيره الأهم يتعلق بطبيعة التهديد الجديد، حيث يشير إلى تصاعد قدرات العدو في مجال المسيّرات، متسائلًا:
«هل نحن واثقون أن دفاعاتنا الجوية قادرة على تحمّل مثل هذه الموجات؟»
ويذهب أبعد من ذلك، حين يربط بين هذه الهجمات وبين إستراتيجية أوسع: «إطلاق مئات الطائرات المسيّرة هو شكل حديث من الإستطلاع بالقتال… إختبار لقدرة الدفاعات الجوية».
هنا، تتحول الهجمات من مجرد أدوات ضغط إلى أدوات معرفة، تكشف نقاط الضعف وتعيد تشكيل موازين الردع.
رابعًا: عودة حروب الوكالة… في ثوب نووي
أما روستيسلاف إيشينكو، فيضع هذه التحولات ضمن إطار تاريخي أوسع، رافضًا فكرة «الجِدّة المطلقة». فهو يرى أن ما نعيشه اليوم ليس إلا إستمرارًا لنمط قديم: «كل هذا حدث من قبل… وتكرر أكثر من مرة».
لكنه يميز بين حروب الوكالة القديمة والحديثة، مشيرًا إلى أن الفارق الجوهري يكمن في السياق النووي. ففي الماضي، كانت القوى الكبرى قادرة على المناورة عبر وكلاء، أما اليوم، فإن الصراع محكوم بسقف نووي يمنع الحسم المباشر، ويحوّل الحرب إلى لعبة إستنزاف مفتوحة.
ويصل إيشينكو إلى خلاصة شديدة الأهمية: «القوى العظمى لا تفكر في الهزيمة… وأي تسوية يجب أن تتم وفق شروطها».
هذا يعني أن الحروب لم تعد تُخاض من أجل تحقيق مكاسب محدودة، بل من أجل تجنب خسارة إستراتيجية شاملة. ومن هنا، تصبح حتى «الضربة النووية المحدودة» — كما يقول — «ليست أمرًا إستثنائيًا، بل الحجة الأقوى في صراع بالوكالة».
خامسًا: معادلة القوة الجديدة — من يملك السماء المنخفضة؟
إذا جمعنا خيوط هذه التحليلات، تتضح معالم معادلة جديدة للحرب:
▪️لم يعد التفوق العددي كافيًا، لأن «أي تجمع يُكتشف ويُدمّر» (بارانتشيك).
▪️ولم تعد الشجاعة الفردية حاسمة، لأن «الجندي بلغ حدوده» (خارتشينكو).
▪️ولم يعد الزمن في صالح الأطراف التقليدية، لأن «التأجيل يفاقم المخاطر» (ستافر).
▪️ولم يعد الحسم ممكنًا دون كلفة وجودية، لأن «الهزيمة غير مقبولة للقوى الكبرى» (إيشينكو).
في قلب هذه المعادلة، تبرز المسيّرات كأداة حاسمة. فهي ليست مجرد سلاح، بل بنية كاملة للحرب: إستطلاع، إستهداف، ردع، وإستنزاف. ولذلك يختصر خارتشينكو المشهد بعبارة مكثفة: «من يملك طائرات مسيّرة أدق وأكثر، يمتلك التفوق».
سادسًا: نحو «كاسر قواعد اللعبة»
لكن هذه المرحلة، كما يشير بارانتشيك، ليست نهائية. إذ يؤكد أن الوضع الحالي سيستمر: «من دون عامل يغيّر قواعد اللعبة… سيبقى التقدم بطيئًا وصعبًا».
وهنا تلتقي تحليلات الجميع عند نقطة واحدة: الحاجة إلى إختراق نوعي — سواء كان تكنولوجيًا (أنظمة حماية فعالة ضد المسيّرات)، أو إستراتيجيًا (تغيير قواعد الإشتباك)، أو حتى سياسيًا (تسوية كبرى).
خاتمة: حرب بلا نهاية… أم بداية لنظام جديد؟
ما تكشفه هذه النصوص مجتمعة ليس مجرد توصيف لحرب قائمة، بل ملامح لمرحلة تاريخية جديدة. مرحلة تتآكل فيها الحدود بين الحرب والسلام، وتتراجع فيها القدرة على الحسم، وتتقدم فيها التكنولوجيا لتعيد تعريف معنى القوة.
إنها حرب لا يُحسم فيها النصر بسرعة، ولا تُقبل فيها الهزيمة، ولا يُمكن فيها تجاهل المخاطر. حرب تُدار على إيقاع بطيء، لكنها تحمل في طياتها إحتمالات إنفجار كبرى.
وفي هذا العالم الجديد، لم يعد السؤال: من الأقوى؟
بل: من الأذكى، والأسرع تكيفًا، والأقدر على كسر القواعد قبل أن تتحول إلى قيود.
*****
المراجع والمصادر
خارتشينكو، ألكسندر. «حول واقع الجبهة»، تحليل ميداني حول تحولات ساحة المعركة وهيمنة الطائرات المسيّرة.
بارانتشيك، يوري. تحليل حول ديناميات الهجوم العسكري وتحوّل الجبهة إلى بيئة مشبعة بالمسيّرات والاستنزاف التكنولوجي.
ستافر، ألكسندر. مقالات تحليلية حول التهديدات العسكرية المعاصرة، مع تركيز على دور الطائرات المسيّرة واختبار أنظمة الدفاع الجوي.
إيشينكو، روستيسلاف. دراسات استراتيجية حول الحروب بالوكالة في ظل الردع النووي وتحوّل أنماط الصراع الدولي.