|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2026 / 4 / 3
تحل اليوم، تحل الذكرى السابعة والأربعون لمعاهدة السلام المصرية/ الإسرائيلية، التي وُقِّعت في واشنطن في السادس والعشرين من مارس عام ١٩٧٩، في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد، ووقّعها عن الجانب المصري الرئيس أنور السادات، وعن الجانب الإسرائيلي رئيس الوزراء مناحم بيجن، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.سبعة وأربعون عامًا كاملة مرّت على هذه الاتفاقية. كان الرئيس السادات صادقًا وحقيقيًا وحاسمًا في رهانه على السلام، ودفع ثمن ذلك ((حياته بعد اغتياله في حادث المنصة)).
ومنذ ذلك الحين، أُدخل السلام ـ من الجانب المصري ـ إلى ما يمكن وصفه بحالة تجميد مؤسسي طويل، "ثلاجة نظامية"، جرى خلالها اختزاله في كونه أداة من أدوات( بقاء) النظام الحاكم، أكثر من كونه مشروعًا مجتمعيًا مفتوحًا على الشراكة والتفاعل. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ بل إن منهجية النظام العسكري الحاكم في مصر، على امتداد عقود، ذهبت إلى ما هو أبعد من تجميد السلام، حين جعلت من شيطنة إسرائيل والتحريض عليها مادة يومية تُبثّ عبر كل ما هو منطوق ومسموع ومرئي، حتى ترسّخت في( المخيال الجمعي ) الذي يتشكل عبر ثلاثية" المسجد، والمدرسة، والخطاب السلطوي الرسمي" صورة اليهودي والإسرائيلي بوصفه العدو المطلق، لا بوصفه طرفًا سياسيًا يمكن تقييم أفعاله بميزان المصالح والنتائج.
فضلاً عن امتداد العداء إلى المجال النقابي أيضًا، بما يروق للنظام الحاكم، إذ لا تزال نقابة الصحفيين المصرية تتمسك بنص واضح يجرّم التطبيع مع إسرائيل، عبر قرار يقضي بـ"حظر كافة أشكال التطبيع المهني والنقابي والشخصي"، وهو الحظر الذي كرّسته الجمعيات العمومية المتعاقبة، بما يشمل منع الصحفيين من زيارة إسرائيل أو المشاركة في أي أنشطة مشتركة، مع إخضاع المخالفين لإجراءات تأديبية تبدأ بلفت النظر، وقد تصل إلى الشطب.
ولابد لي هنا أن أقول، من دون مواربة، إن الغالبية الساحقة من المصريين جرى تكوينها نفسيًا وثقافيًا على هذا النحو، حتى بات كثيرون منهم أقرب إلى "قنابل مؤقتة" تجاه دولة ترتبط مصر معها باتفاق سلام قائم منذ سبعة وأربعين عامًا، مع استثناء واضح أراه لدى قطاع واسع من أقباط مصر.
والأسوأ أنني أرى أبناء بلدي يصطفون وجدانيًا وسياسيًا مع نظام الملالي في إيران، ومع أذرعه المسلحة في المنطقة، من حماس / حزب الله/ الجهاد/ الحوثيين ، وكلها قوى جعلت من الصدام مع إسرائيل جوهر وجودها السياسي والعسكري، رغم أن الدولة نفسها لم ترَ مصر منها، منذ توقيع معاهدة السلام، إلا صورًا متعددة من التعاون العملي المباشر.
ويكفي التذكير بما قدمته إسرائيل من تعاون أمني فعلي مع الجيش المصري في الجزء الحقيقي من الحرب على الإرهاب في سيناء بعد رحيل جماعة الإخوان عن الحكم في الثلاثين من يونيو 2013، فضلًا عن اتفاقات الغاز بشروط خدمت الدولة المصرية، وحركة سياحية إسرائيلية مستمرة إلى جنوب سيناء، حيث أصبحت مدن مثل شرم الشيخ و دهب ونويبع وطابا من الوجهات الأكثر تفضيلًا للسائح الإسرائيلي، بحكم القرب الجغرافي وسهولة العبور عبر معبر طابا، في مشهد يعكس مفارقة لافتة بين سلام قائم على الأرض، وعداء لا يزال قائمًا في الوعي العام.
المحزن بالنسبة لي، كرجل سلام، أن فكرة السلام الشعبي في مصر لم تكن غائبة تمامًا عن المجال العام؛ ففي مطلع الخمسينيات ظهرت تجربة مبكرة لافتة تمثّلت في حركة أنصار السلام المصرية (1951)، التي تشكّلت كامتداد لتيار عالمي دعا إلى وقف سباق التسلّح وبناء سلام إنساني بين الشعوب. وقد ضمّت الحركة شخصيات سياسية وثقافية وفكرية بارزة من اتجاهات متعددة، من بينهم يوسف حلمي، كامل باشا البنداري، سيزا نبراوي، عزيز باشا فهمي، د. محمد مندور، إبراهيم طلعت، حفني محمود باشا، خالد محمد خالد، وكمال عبد الحليم، في دلالة واضحة على أن فكرة السلام لم تُطرح يومًا باعتبارها خروجًا عن المزاج الوطني، بل كانت أحد تعبيراته المدنية الممكنة، سعيًا لبناء وعي شعبي قادر على التعايش والاعتراف بالآخر.
ورغم أن هذه التجربة تعثّرت سريعًا مع التحولات السياسية اللاحقة، بوقوع انقلاب 1952 الذي حمل آثارًا مريرة على مصر، فإنها بقيت شاهدًا على أن السلام، في لحظاته الأكثر جدية، كان يُفكَّر فيه بوصفه مشروعًا مجتمعيًا يتجاوز التوقيع الرسمي، ويشمل بناء معرفة متبادلة، ومساحات تواصل، واحترام الواقع الإقليمي كما هو، لا كما تصنعه الأيديولوجيا.
ومن هذا المنطلق، برزت في مصر شخصيات وطنية وفكرية عدة، كلٌّ منها أسهم بسطره الخاص في صناعة خطاب السلام، سواء عبر الفكر أو العمل أو المبادرات المجتمعية، مؤكدين أن السلام ليس مجرد اتفاقيات، بل ممارسة يومية تتطلب الشجاعة والإبداع. وعلى سبيل المثال لا الحصر.
((طه حسين عميد التنوير))
زار الجامعة العبرية في القدس عام 1944، مؤمنًا بأن المعرفة والحوار هما السبيل لفهم الآخر وتفكيك الجهل المتبادل، في خطوة سبقت حتى قيام دولة إسرائيل وقرار التقسيم.
((فرج فودة صوت شجاع في زمن الصمت))
دافع عن ضرورة الاعتراف المتبادل، ورأى أن السلام شرط لبقاء المنطقة، فدفع حياته ثمنًا لموقفه.
((نجيب محفوظ أديب نوبل))
فتح نافذة فكرية وثقافية على العالم، وكانت علاقته بالأكاديمي الإسرائيلي ساسون سوميخ جسراً لتعريف العالم بأعماله، نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن يخلقه الحوار الإنساني من جسور بين الشعوب.
((علي سالم رائد الحوار الشعبي))
رحلته إلى إسرائيل وكتابه رحلة إلى إسرائيل كانا بيانًا عمليًا لإمكانية التعايش إذا امتلكنا الشجاعة لمواجهة الأساطير.
((أمين المهدي العقل النقدي))
دافع عن تفكيك خطاب الكراهية العربي تجاه إسرائيل، وقدم قراءة نقدية للصراع العربي/الإسرائيلي في كتابه الصراع العربي الإسرائيلي: أزمة الديمقراطية والسلام
وفي إطار تمرين ذهني مشروع،بهذه المناسبة أود أن أطرح سؤالًا: ماذا لو لم يقع حادث المنصة أصلًا، واستمرّ أنور السادات في ما كان يخطط له من سلام شعبي حقيقي، تعاون مجتمعي، تكامل اقتصادي، وعمل مشترك مع الجانب الإسرائيلي؟
هل كانت مصر ستصل إلى ما هي عليه اليوم: دولة تعيش على القروض والمنح والمعونات، ومؤشرات مديونية تتصاعد بأرقام مرعبة، وتراجع مهين في مختلف مؤشرات جودة الحياة؟
أم كانت ستحلّق أعلى، بما يليق بموقعها الطبيعي، وبما تملكه من عوامل للنهوض، وبإمكانات شعبها، كنتيجة طبيعية لمسار تعاون إقليمي مختلف، يحفظ مصالح المنطقة ويضمن ازدهار شعوبها؟ والأهم: هل يكون هذا المقال صرخة ونداء من أجل تصحيح المسار قبل أن تتمكن الكراهية، والأحقاد التاريخية، والتضليل السياسي من أن تسيطر على وعينا الجماعي، فتقوض كل ما يمكن أن يُبنى من تفاهم وعدالة وسلام؟؟
لروح الرئيس الراحل العظيم أنور السادات، السكينة، والسلام، والمحبة، ولإحياء حلمه في مصر والمنطقة كلها.
نُشر هذا المقال باللغة الإنجليزية في السادس والعشرين من مارس الماضي على موقع معهد الدفاع الإيديولوجي (IDI)، ويُنشر هنا حصريًا وفقط على موقع الحوار المتمدن باللغة العربية.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |