من الحرب الشاملة إلى شمول الصراع: جدل المفهوم في المواجهة مع إيران

ليث الجادر
2026 / 4 / 1

لم يعد الخلاف حول ما يجري في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، خلافًا حول الوقائع بقدر ما هو خلاف حول المفاهيم التي نفسّر بها هذه الوقائع.
هل نحن أمام حرب شاملة؟ أم أمام نمط جديد تجاوز هذا المفهوم؟
والأهم: من المنتصر، وفق أي تعريف؟
يرى أحد التصورات أن ما يحدث هو حرب بكل معنى الكلمة، بل “شاملة” بصيغة حديثة. فإيران—عبر الضربات المباشرة وغير المباشرة، وتفعيل شبكات حلفائها، واستخدام أدوات متعددة—تمارس شكلًا من الصراع لم يعد يعترف بالحدود الكلاسيكية. في هذا السياق، لم يعد الشمول يعني التعبئة الكاملة، بل القدرة على إيذاء الخصم عبر مجالات متعددة وفي آن واحد.
في المقابل، يرفض تصور آخر هذا الوصف الحاسم. فبرغم شدة التصعيد، ما يزال الصراع مُدارًا بسقوف:
لا مواجهة مباشرة ومفتوحة بين الجيوش الأمريكية والإيرانية، انتقائية في الأهداف، وتجنّب لضربات قد تؤدي إلى انفجار شامل. من هذا المنظور، نحن أمام تصعيد عالي الكثافة، لا حرب شاملة بالمعنى الصارم.
غير أن هذا التعارض يقود إلى نقطة أعمق:
المشكلة ليست فقط في توصيف ما يجري، بل في تعريف “الحرب الشاملة” نفسه.
لقد تغيّر موقع “الشمول”. لم يعد يُقاس فقط بحجم الدمار أو مستوى التعبئة، بل بات يُقاس بـاتساع مجالات الصراع:
عسكريًا، اقتصاديًا، سيبرانيًا، وإعلاميًا.
وهنا تظهر المفارقة: قد لا تكون الحرب شاملة عسكريًا، لكنها شاملة من حيث تشابك أدواتها.
لكن التحول الأهم لا يقف عند تعريف الحرب، بل يمتد إلى تعريف النصر.
فالولايات المتحدة تميل إلى خوض الصراع وفق نموذج حديث:
إدارة التصعيد، تقليل الكلفة، والحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ضمن هذا الإطار، يمكنها اعتبار نفسها منتصرة إذا نجحت في احتواء الصراع ومنع خصمها من فرض معادلة جديدة.
في المقابل، تتحرك إيران ضمن منطق مختلف. فبعد تراجع قدرتها على لعب دور المركز الإقليمي المهيمن كما في السابق، لم يعد هدفها تحقيق نصر تقليدي واضح، بل إعادة تعريف شروط النصر نفسها.
هي لا تسعى بالضرورة إلى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب شاملة كلاسيكية، بل إلى دفع الصراع نحو حالة يصبح فيها نموذج “إدارة الصراع” الأمريكي عاجزًا عن تحقيق غايته الأساسية: التحكم بالكلفة والزمن.
وهنا تبرز النقطة الأكثر حساسية:
إيران لا تعمل بمنطق اللامبالاة بالكلفة، بل بمنطق الاستعداد لتحمل كلفة أعلى إذا كان ذلك يؤدي إلى إفراغ النصر الأمريكي من مضمونه.
بعبارة مكثفة:
أمريكا تسعى للفوز عبر منع الانفلات
إيران تسعى للفوز عبر إثبات أن هذا المنع هو شكل من أشكال العجز
وبين هذين المنطقين، يتحول النصر من نتيجة عسكرية واضحة إلى سردية مرتبطة بتعريف مسبق للحرب.
الخلاصة :
لم تمت الحرب الشاملة، لكنها لم تعد كما كانت. لقد تحوّل الشمول من حجم الدمار إلى اتساع الأدوات، وتحوّل النصر من حسم عسكري إلى قدرة على فرض تعريف لما يحدث.
وفي هذا المستوى، لا يُحسم السؤال: من انتصر؟
بل يُعاد طرحه بصورة أعمق: من ينجح في تحديد معنى الانتصار ذاته؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي