إيران عند مفترق تاريخي: كيف تُعاد صياغة النظام الدولي

زياد الزبيدي
2026 / 3 / 30

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

30 آذار/مارس 2026

لم تكن السنوات الأخيرة مجرد تصعيد عابر في الشرق الأوسط، بل لحظة كاشفة لإنهيار توازنات قديمة وبداية تشكل نظام عالمي جديد. فالأحداث التي شهدتها إيران بين 2025 و2026 لم تعد، كما تشير الباحثة فيفيان يور*، «أزمة داخلية أو حتى مواجهة إقليمية، بل أصبحت جزءًا من إعادة توزيع القوة على المستوى العالمي».

هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فمنذ الثورة الإيرانية 1979 تشكلت في طهران بنية سياسية فريدة، قائمة على توازن معقد بين السلطة الدينية والمؤسسات الجمهورية. غير أن الضغوط المتراكمة، خاصة مع تصاعد المواجهة مع إسرائيل، دفعت هذا النموذج إلى إختبار وجودي غير مسبوق.

وتذهب فيفيان يور إلى أبعد من ذلك حين تؤكد أن «الضربات التي إستهدفت إيران لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل محاولة لإعادة هندسة التوازن الداخلي للنظام». لكن المفارقة، كما توضح، أن هذه الضربات «لم تُضعف الدولة، بل سرّعت عملية إعادة تشكيل مراكز القوة داخلها».

في قلب هذه التحولات، برزت مسألة القيادة كأحد أخطر مفاصل الأزمة. فغياب علي خامنئي مثّل لحظة فراغ إستراتيجي، سرعان ما تم إحتواؤه بصعود مجتبى خامنئي، في خطوة تعكس – بحسب الكاتبة – «أولوية الإستمرارية على الإصلاح، والإستقرار على المغامرة السياسية».

لكن ما يجعل هذه الأزمة مختلفة جذريًا هو بعدها الدولي. فالمواجهة حول إيران، كما ترى الكاتبة، «لم تعد صراعًا بين دولتين أو محورين، بل تحولت إلى ساحة إختبار لإرادة القوى الكبرى وحدود نفوذها».

في هذا السياق، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقدة: دعم غير مشروط لـ إسرائيل، مقابل خطر الإنزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. وفي المقابل، تنظر كل من روسيا والصين إلى الأزمة بإعتبارها «فرصة إستراتيجية لتقويض الأحادية الغربية وإعادة توزيع النفوذ العالمي».

وتعبّر فيفيان يور عن هذا التحول بعبارة حادة: «ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس صراعًا على الحدود، بل صراع على شكل العالم القادم».

هذا الإدراك هو ما يفسر، بحسب المقال، تسارع التحالفات وإعادة التموضع الإقليمي، خاصة لدى دول الخليج، التي إنتقلت من سياسة التوازن إلى «منطق الأمن الصلب وبناء الشراكات العسكرية».

لكن أخطر ما في المشهد، كما تحذر الكاتبة، هو أن «العالم لا يتجه نحو نظام مستقر متعدد الأقطاب، بل نحو توازن هش قائم على الردع المتبادل والإنفجارات المؤجلة».

وفي هذا الإطار، يصبح الشرق الأوسط أكثر من مجرد ساحة صراع؛ إذ تصفه الكاتبة بأنه: «مختبر النظام الدولي الجديد، حيث تُختبر فيه حدود القوة، وقدرة الدول على فرض إرادتها خارج أطر النظام القديم».

إن الخلاصة التي يصل إليها المقال ليست مريحة. فالعالم، كما يبدو، لا ينتقل بسلاسة إلى نظام جديد، بل يعبر مرحلة إضطراب عميق، حيث تتقاطع الأزمات الإقليمية مع صراعات القوى الكبرى.

ولهذا، فإن ما جرى في إيران خلال هذه الفترة قد يُسجل في المستقبل بإعتباره لحظة تأسيسية، ليس فقط لتوازنات الشرق الأوسط، بل للنظام الدولي بأسره.

وتختصر فيفيان يور هذا المعنى بجملة تحمل قدرًا كبيرًا من الحسم: «الأزمة الإيرانية لم تكن نهاية مرحلة، بل بداية عالم جديد لم تتحدد قواعده بعد».
*****

هوامش
1) المرجع: مقال فيفيان يور: «إيران 2025 – بداية 2026: أزمة منهجية ومواجهة إقليمية وتداعيات جيوسياسية»

2) فيفيان يور
كاتبة شابة تختص في الجيوبوليتيك، من أصول روسية-فرنسية، حاصلة على ماجستير في الإقتصاد والعلاقات الدولية من جامعة لندن. تكتب في موقع Geopolitika.ru وتركّز على تحولات النظام الدولي، الطاقة، والصراع بين القوى الكبرى.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي