|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 3 / 28
برحيل أحمد قعبور، في السادس والعشرين من آذار، تُطوى صفحة مضيئة من تاريخ الفن العربي الملتزم، وتُفتح معها نوافذ التأمل في مسيرة جيلٍ بأكمله، ومآلات أغنيةٍ ارتبطت بوجدان الملايين، من أزقة بيروت إلى مخيمات اللجوء.
من المفيد، ونحن نستحضر هذا الإرث، أن نُذكّر بأجواء الصعود الفني لقعبور ورفاق دربه. لقد وُلدت تلك التجربة في مرحلةٍ اتسمت بوضوحٍ جليّ للعدو الخارجي المتمثل في دولة الكيان الصهيوني. حينها، كانت حناجر هؤلاء الفنانين هي الصدى المباشر والرديف الثقافي للتصدي الباسل الذي قادته "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمول)، متكئةً على تحالفٍ عضوي بين القوى اليسارية اللبنانية وفصائل المقاومة الفلسطينية. في تلك المرحلة، كانت البوصلة واضحة، والقصيدة خندقاً، والأغنية رصاصة.
لكن حركة التاريخ لا تتوقف، والظروف السياسية والميدانية تغيرت. فمع تراجع المد اليساري، دخلت على خط المواجهة "المقاومة الإسلامية". ورغم أنّ هذه القوة الجديدة حملت برنامجاً سياسياً وعسكرياً معادياً بوضوح للاحتلال ودولة الكيان والإمبريالية الأمريكية، إلا أنّ برنامجها الأيديولوجي والاجتماعي لم يكن يتماهى بأي حال من الأحوال مع الرؤية التحررية الشاملة لليسار الذي شكل الحاضنة الفكرية للفن الملتزم.
في تلك المحطة، بدأ التباين يطفو على السطح، وتوسع مع الزمن. لم يعد الصراع يقتصر على مقارعة المحتل، بل امتد ليشمل أسئلة الداخل المعقدة: شكل الدولة، والحريات، والعدالة. وهنا وجد عدد من الفنانين الملتزمين (كأحمد قعبور ورفاق آخرين من اليسار) أنفسهم أمام اشتباك وجداني قاسٍ؛ فقد أصر كثير منهم على ألا يُجزّئوا الحرية، رافضين التنازل عن انحيازهم للإنسان البسيط وحقوقه، حتى وإنْ قادهم ذلك إلى الافتراق عن قوى تشاركهم العداء للمحتل الخارجي. وفرّقت هذه الجدلية المعقدة صفّ الرفاق، داخل الساحة الفنية وخارجها، ووهُنت لُحمة جمهور الفن الملتزم، بل إنّ فرقاً فنية ملتزمة بُحّ صوتها وتلاشى، ثم رحلت قبل رحيل فنانيها، ومنها فرقة الطريق وفرقة العاشقين وفرقة بلدنا وفرق أخرى مماثلة ظهرت في بلدان مختلفة، وفرق أقل شهرة ظهرت في القرى والمخيمات والحواري والحارات.
ولا ننسى دور اتفاقيات أوسلو والسلطة التي أقيمت تحت ظلالها في تيئيس الناس عبر إصرارها على التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني وإضعاف صوت المقاومة، بل وكتمه؛ ممّا أسهم في تدمير الفن الملتزم وتشتيت رموزه وتجويعهم. وأسهم في ذلك أيضاً الانقسام الحاد الذي شهدته الساحات العربية حول سوريا والموقف من نظام الحكم فيها، وتوجهاته الملتبسة إزاء قضايا الحريات والديمقراطية في الداخل، رغم ثباته على موقفه السياسي ضد دولة الكيان وأسيادها وراء المحيط، وفي ظل عدم إظهار القدرة الفعلية على التصدي الميداني للاعتداءات الوحشية على سوريا.
رحل أحمد قعبور تاركاً راءه إرثاً موسيقياً نقياً وأسئلة تاريخية كبرى لا تزال مفتوحة على التأمل. قد تتباين القراءات لتلك التحولات المعقدة، لكن إجماعنا سيبقى معقوداً على أنّ صوته الذي صدح بـ "أناديكم"، كان وسيظل "قوشاناً" للذاكرة، ونداءً صادقاً لا يغيبه الموت.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |