تابع عرض كتاب زكريات باريس للدكتور زكى مبارك 2

خالد محمد جوشن
2026 / 3 / 27

تمهيد
أيها القارىء
كنت عودتك إلف المقدمات الطوال ، كالذى فعلت فى تقديم كتاب "حب ابن أبى ربيعة " وكتاب " مدامع العشاق " ولكنى لا أجد ما أقول فى تقديم هذا الكتاب غير السطور الاتي :
عرفت باريس وأهل باريس معرفة تقدر لإنسان سواى ، ولم يكن ذلك فقط لأنى اتصلت بها نحو خمسة اعوام ، وإنما كان ذلك لأنى وصلت اليها بعد يأس وبعد شوق ، وكانت كل زورة تبدو لعينى وكأنها الاولى والاخيرة ، فكنت أنهب محاسنها فى شره ونهم كما يفعل الصب المولع وهو يودع حسناء ستمضى إلى حيث لايعرف من أقطار الشمال أو الجنوب .
وياطالما ودعت من اسراب الحسان ، أضيف الى هذا أنى يوم دخلت باريس كنت أعرف من دقائق اللغة الفرنسية ما لايعرفه إلاالاقلون ، وكنت قبل ذلك ألفت تلك اللغة الفة ألفة شديدو ، حتى كان لا يتكلم بها جمااعة فى جد او هزل الا تعقبت ما يقولون تعقب الدارس الفاحص الذى يدرك ما ظهر وما بطن من أسرار الحديث (وهذا كل ما عندى من عيوب الفضائل ) فكان ذلك معوانا على فهم ما طبع عليه الفرنسيون من شتى الغرائز والخلال .
طالت إقامتي في باريس، وكانت الأغراض علمية سدد الله فيها خطاي وهداني سواء السبيل. ولكن دراساتي لم تحل بيني وبين التأمل فيما يقع في مدينة النور من صراع بين الهوى والعقل، والهدى والضلال. فأنشأت كثيرًا من القصائد والرسائل في أغراض مختلفة بعضها من وحي العقل وبعضها من وحي الوجدان .

وقد عدت إلى تلك الثروة الأدبية فأضفت جزءًا منها إلى أصول كتابي سرائر الروح الحزين» وجزءًا إلى مواد الطبعة الثانية من كتاب «البدائع والباقي هو هذه الأقباس التي أقدمها اليوم".
يقول المسيو دي كومنين: إن الكريم لا يذكر البلاد التي رحل منها إلا مصورة بصورة من عرف فيها من كرام الناس، وكذلك تبدو باريس على البعد ممثلة في شمائل إنسانين اثنين هما المسيو بلانشو وابنة خاله كريمة الجنرال بونال والمسيو بلانشو سكرتير اتحاد الطيران في باريس - آية من آيات النبل والخلق العظيم، وابنة خاله الآنسة سوزان مثال أعلى لسلامة الذوق وكرم النفس وحياة الوجدان. ويعلم الله ما ذكرت هذين الإنسانين إلا غلبني الدمع وقهرني الشوق وصهرني الحنين. وستظل باريس قبلة روحي ما بقيت في النفس ذكرى ما لقيت عندهما من عطف ورعاية وحنان.
تلفت حتى لم يبن من دياركم
دخان ولا من نارهن وقود
وإن التفات القلب من بعد طرفه
طوال الليالي نحوكم ليزيد

بعد هذين الإنسانين تتمثل باريس في صور الأساتذة الكبار الذين انتفعت بعلمهم هناك أمثال دوميك ومرسيه وديمومبين وكولان وماسينيون وتونلاودنيويه وميشو وشامار ومورنيه .
واليوم يتلفت القلب إلى باريس فتقبل الذكريات أفواجًا في عنف وطغيان، فتغرق الروح في كوثر النعيم المتخيل المرموق، فماذا عسى أن أفعل للنجاة من ذلك الطوفان؟
أفزع إلى صفحات هذا الكتاب ؟ كيف ولم يكن إلا ظلالاً خفيفة لما لقيت في باريس من متع الحياة، وهو مع هذا لم يحو كل الذكريات؛ لأن أطيب الذكريات لا يكتب ولا يقال، وإنما تقلبه النفس في هدات الليل كما يفعل الشحيح وهو يقلب كنزه المدفون.

رباه ماذا أبقيت لي من باريس؟
ألا تراني أروح إلى السينما الناطق في صبوة وجنون أتسمع كيف يتكلم الباريسيون وأنظر كيف يجدّون وكيف يلعبون؟ إلى اللقاء يا باريس إلى اللقاء يا مدينة المجد والحب والجمال إلى اللقاء يا وطن المسيو بلانشو والآنسة بونال

الفصل الاول
بين الحب والمجد
12 يونيو سنة 1927
م تنسني فتنة الدنيا وزينتها
ما في شمائلك الغراء من فتن
أطوف بالحسن تصبيني بدائعه
كما يطوف معنى القلب بالدمن
فلا تثير مغانيه ونضرته
في ظل ذكراك غير الهم والحزن
أمنت بالحب لولا أنت ما جمحت
مني الضلوع إلى أهل ولا وطن
يا من تحيرت لا أدري أيسعدني
غرامه أم هواه مـحـنـة الـمـحـن
ما ضر لو نعمت عيناي أو شقيت


قبل الفراق بمرأى وجهك الحسن
لولا مثالك في باريس ألمحه
في طلعة البدر أو في نضرة الفنن
جوانحي ما أثار البين من شجن
جنت علي الليالي غير ظالمة
إني لأهل لما ألقاه من زمني
فما رأيت من الأخطار عادية
إلا بنيت على أجوازها سكني
ولا لمحت من الآمال بارقة
إلا تفحمت ما تجتاز من قنن
أحلت دنياى معنى لا قرار له
فى ذمة المجد ما شردت من وسن
والى الفصل الثانى فى مقال تال

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن