الحرب على ايران وحرب السويس 1956

محمد رضا عباس
2026 / 3 / 27

ثم هناك تشابه في جوهر الاعتداء على ايران من قبل الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل , والاعتداء على مصر من قبل القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية عام 1956 . جوهر الاعتداء هو عدم السماح لدولة شرق اوسطية ( عدا إسرائيل) الاستقلال بقراراتها السيادية . هذه السياسة لم تتغير على الرغم من بعد الزمنين , زمن الحرب على مصر عام 1956 وزمن الحرب على ايران عام 2026, 70 عاما .
كان هدف العدوان على مصر عام 1956 , هو اسقاط نظام جمال عبد الناصر , استرداد شركة قناة السويس , وتحويل مصر الى عبرة لأي دولة تتجرأ وتسعى لاسترداد حقوقها .
اما هدف العدوان على ايران حسب التصريحات الرسمية المعلنة هي منع ايران من انتاج القنبلة الذرية , اسقاط النظام السياسي فيها و فرض نظام موالي الى الغرب, وتحويل ايران الى عبرة لأي دولة تعادي إسرائيل .
ما الذي تحقق لمصر من حرب السويس ؟ انتصار نظام جمال عبد الناصر وخروجه أقوى مما كان عليه قبل العدوان , استرداد مصر لقناة السويس بالكامل, بدء عملية تمصير ومصادرة أملاك القوى التي شاركت في العدوان، وردها إلى مصر, سقوط حكومات ايدن رئيس وزراء بريطانيا ، وجى موليه رئيس وزراء فرنسا، ودافيد بن جوريون رئيس وزراء الكيان الصهيوني، إثر فشلهم في إسقاط نظام جمال عبد الناصر , اسقاط معاهدة الجلاء الموقعة مع البريطانيين عام 1954.
وما الذي تحقق لإيران من الحرب ؟ لم تنتهي الحرب بعد , الا ان ايران اذهلت العالم بقدرتها على الصمود وهي تقاتل اقوى جيشين في العالم من ناحية السلاح المستخدم ضدها . الإنجاز الأهم هو انها كسرت هيبة أمريكا وإسرائيل. لأول مرة تتجرا دولة ضرب قواعد أمريكية ولأول مرة تقوم دولة بضرب العمق الإسرائيلي الذي ظل محصن منذ احتلال عام 1948 مرورا بحرب 1967 , وحرب 1973. العرب مجتمعين لم يستطيعوا رمي اطلاقة على مدن الكيان الصهيوني. النظام الإيراني لم يسقط كما أراد ترامب , وصمود النظام الإيراني اجج روح السخط الشعبي على القيادات العربية في ترك غزة تذبح.
ماذا كشفت الحرب على مصر؟ انها كشفت الدور الوظيفي للكيان الصهيوني بالمنطقة . الكيان الصهيوني لم يكن معنيا بشكل مباشر بقناة السويس , ولكن مشاركته فيها اثبت للعرب دور الكيان الصهيوني الوظيفي هو العمل على ضرب وتعطيل أي محاولة عربية للتقدم والنهوض.
وماذا كشف الحرب على ايران ؟ كشفت ان هذه الحرب هي دينية يقودها الكيان الصهيوني وورطت فيها الولايات المتحدة والدول الخليجية من اجل تحقيق شعار إسرائيل الكبرى , ليتبعها تدمير مسجد الأقصى و مسجد الصخرة . نتنياهو يريد خلق شرق أوسط جديد ودولة إسرائيلية تلموديه حدودها من النيل الى الفرات .
ماذا جرى بعد صد العدوان على مصر ؟ الغرب اصبح خصما للقيادة المصرية الامر الذي أدى الى تمصير جميع الاستثمارات الأجنبية , تململ رجال المال المصريين من سياسة عبد الناصر الاقتصادية , وأسفرت الرجعيات العربية عن عداءها لمشروع عبد الناصر بعد نهاية حرب 1956، وبدأت محاولات تحجيم الدور المصري، والسعي لحصار عبد الناصر داخل مصر، خوفاً من امتداد مبادئ الثورة المصرية لبلدانها، واسقاطها لعروش الرجعيات العربية ,والكشف عن محاولة انقلاب يقودها اللواء محمد نجيب ضد عبد الناصر وتشكيل حكومة موالية للغرب و الاعتراف بإسرائيل.
ماذا سيجري بعد صد العدوان على الايران ؟ لحد كتابة هذه السطور, فان العمليات العسكرية جارية على قدم وساق بين الطرفين . ايران وحدها لا يمكنها الانتصار عسكريا على إسرائيل والولايات المتحدة . ايران لم تنتج القنبلة الذرية , ولو كان لديها قنبلة لما نشب الحرب عليها , وبذلك اثبتت ايران مصداقيتها الى العالم . اكثر من مائة مرة أعلنت انها لا تريد صنع القنبلة الذرية لان مرشدها المغدور يعارض انتاجها. هناك تصريحات صحفية تؤكد بدعوة باكستان للأطراف المتنازعة للجلوس على طاولة المحادثات , ولكن الجانب الإيراني لم يؤكد ذلك , لأنه يرفض " خديعة ترامب الثالثة". ومع ذلك فان ايران ستدخل المفاوضات مع الجانب الأمريكي ولكن المفاوضات ستكون طويلة , لان أمريكا لم تتعامل مع دولة صغير غير ذات تأثير دولي , وسوف تربح من هذه المفاوضات بقدر ما تقدمه من تنازلات للجانب الإيراني . بكلام اخر , ستكون نتائج المحادثات صفرا , لا رابح ولا خسران .
على ما يبدو سيدخل الطرف الأمريكي المفاوضات وبيده 15 بندا , كما ترشح من قبل وسائل الاعلام الغربي وعلى راس هذه البنود هي رفع جميع العقوبات المفروضة على ايران , تقديم المساعدة لإيران في تطوير و تعزيز مشروع نووي مدني في بوشهر لتوليد الكهرباء , يقابله تفكيك ايران القدرات النووية الحالية التي تم تراكمها , تسليم جميع المواد المخصبة الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية , إخراج منشئات نطنز واصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها , وابقاء مضيق هرمز مفتوحا كمنطقة بحرية حرة دون اغلاقه من أي طرف.
اما المطالب الإيرانية لوقف الحرب فهي : المطالبة بإغلاق كافة القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط , رفض فرض أي قيود على برنامج الصواريخ الإيراني، اشتراط وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله بشكل كامل, رفض أي هدنة مؤقتة والمطالبة باتفاق سلام شامل ودائم ومنع تكرار أي هجوم مستقبلي, التمسك بإدارة مضيق هرمز بالتعاون مع سلطنة عُمان فقط، مع إمكانية تنظيم المرور أو إغلاقه عند التصعيد.اشتراط اعتراف رسمي بـ ”العدوان” ودفع تعويضات عن الأضرار , كما ودعت طهران إلى إنشاء تحالف إقليمي بديل عن أمريكا مع دول الخليج العربي.
لا أمريكا سوف تحقق كل ما تريد ولا يران , وستتنازل أمريكا من بعض شروطها , مقابل تنازل ايران من بعض شروطها اذا اتفق الجانبين على التفاوض . وحتى لو رضت ايران بالتفاوض واتفق الاثنين , ايران وامريكا , على تسوية , فان الشرق الأوسط سوف لن يعود الى حقبة قبل الحرب.
وماذا سيجري بعد وقف اطلاق النار وتوقيع معاهدة سلام بين ايران والولايات المتحدة ؟ إسرائيل , كما فعلت في حرب السويس , سوف لن تتوقف من تهديد السلام في المنطقة لان السلام والاستقرار يعتبر تهديدا وجوديا لمصالحها. إسرائيل لها هدف واحد وهو تأسيس إسرائيل الكبرى و ستعمل بكل ما لديها من وسائل الخداع والمكر من اجل الوصول الى هدفها . بعد وقف اطلاق النار , على دول الخليج ان لا تعطي الفرصة لإسرائيل باستخدام أراضيها للعدوان على ايران . وعلى ايران , النظر الى الإصلاحات الداخلية , البدء في تحسين سمعتها الدولية، مع إعطاء الأولوية لتدابير بناء الثقة مع جيرانها , مثل احياء مبادرة " مسعى هرمز للسلام" , انشاء " رابطة حوار غرب اسيا الإسلامية", و العمل بكل جد بتأسيس " ميثاق للأمن الجماعي" تشترك فيه جميع الدول العربية والإسلامية في منطقة الشرق الأوسط , وبذلك تضمن المنطقة وقف التمدد الإسرائيلي.

المعلومات حول حرب السويس اخذت من مقال " حرب السويس 1956 .. من الذي انتصر؟" 12 اذار 2022.
https://nasseryouthmovement.net/ar/Suez1956

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر