|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 3 / 22
العدوان الأمريكي الصهيوني الواسع على إيران صبيحة الثامن والعشرين من شباط الماضي وضع حداً نهائياً لحرب الظلال الطويلة بين دولة الكيان والجمهورية الإسلامية. فلم تعد المعركة مقتصرة على الكواليس، بل تحولت في لحظة فارقة إلى مواجهة إقليمية مفتوحةعصفت بموازين القوى في الشرق الأوسط. فمع انطلاق الساعات الأولى للهجوم المزدوج، انهالت موجات من الضربات الجوية والصاروخية الكثيفة على إيران استهدفت شل مراكز القيادة والسيطرة وتدمير البنية التحتية، وتحطيم المعنويات والإيحاء بحرب إبادة جماعية، ومن ذلك الحدث الذي أسقط كل السرديات الأخلاقية حيث استهدف مدرسة للبنات في مدينة ميناب، مسفراً عن مجزرة مروعة راح ضحيتها 185 طالبة بريئة. كلفة اليومين الأولين على إيران كانت مزلزلة بكل المقاييس؛ فقد تكبدت خسائر استراتيجية غير مسبوقة بلغت ذروتها باستهداف وقتل المرشد الأعلى علي الخامنئي وعشرات من كبار القادة العسكريين.
ورغم هول المفاجأة وحجم هذا الزلزال الذي ضرب هرم القيادة، أثبتت طهران قدرة سريعة وصارمة على امتصاص الضربة. لم تتراجع المؤسسة العسكرية الإيرانية، بل قبلت التحدي فوراً، متخذة قراراً استراتيجياً منذ اليوم الأول بكسر الخطوط الحمراء وتوسيع رقعة الحرب. وبدأت معالم الخطة الإيرانية تتجلى بضربة استباقية نوعية لشل "عيون" التحالف المعادي؛ فتولت طهران بنفسها مهمة تدمير القواعد العسكرية الأمريكية في دول الجوار، وتمكنت من "إعماء" الكيان وحلفائه، موجهة ضربات دقيقة أسقطت الرادار الرئيسي في البحرين، عطلت منظومة "ثاد" في الأردن، مجردة واشنطن وتل أبيب من أهم خطوط الدفاع الجوي. وبالتزامن، دخلت الجبهة اللبنانية بثقلها الكامل على الخط، حيث استعاد "حزب الله" روح المبادرة، وأمطر مستوطنات الجليل ومحيطها بمئات الصواريخ، وتابع الاشتباك دون توقف، موسعاً دائرة نيرانه لتضرب مستوطنات الجليل وصولا إلى حيفا وتل أبيب.
لقد كانت كلفة الحرب على المعتدين في هذه الأيام الأولى باهظة وفوق كل الحسابات؛ إذ استُنزفت مخزونات هائلة من الصواريخ الاعتراضية والذخائر دون جدوى، وشُلت الحركة التجارية والملاحة الجوية والبحرية. وكشف تقرير صادر عن مؤسسة أميركية نشر على موقع (thefulcrum.us)أنّ تكلفة العمليات العسكرية ضد إيران حتى منتصف شهر آذار تراوحت بين 25 إلى 30 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 200 مليار دولار إذا استمر الإنفاق بنفس الوتيرة لمدة 6 أشهر. وأوضح التقرير أن الأموال المصروفة على الحرب كانت كافية لتوسيع برامج الرعاية الصحية، واستعادة التمويل المقطوع للرعاية الصحية، ودعم الأمن الغذائي عبر برنامج SNAP، بالإضافة إلى تمويل التعليم والطاقة النظيفة والبنية التحتية. كما أسهم الإنفاق العسكري الكبير في تفاقم الدين الفيدرالي الأميركي، الذي بلغ 37.2 تريليون دولار، مع توقعات بوصوله إلى 47 تريليون دولار بحلول عام 2030، ما يزيد من الفوائد المدفوعة ويضغط على الميزانية العامة.
وأضاف التقرير أنّ ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب أدى إلى زيادة تكلفة المعيشة، حيث تجاوز متوسط سعر البنزين 3.84 دولار للغالون، في حين استفاد منتجو النفط في الدول العربية وروسيا من هذه الأزمة.
ودخل الكيان الصهيوني في دوامة من الاستنزاف الشامل الذي طال كافة مفاصله الحيوية؛ فعلى الصعيد البشري والمادي، سجلت التقارير الخاضعة للرقابة العسكرية مقتل 21 إسرائيلياً وإصابة نحو 4,564 آخرين، مع تضرر ما يزيد عن 9,000 مبنى و3,000 مركبة جراء الرشقات الصاروخية التي استهدفت مدناً استراتيجية كعراد وديمونا وحولون. وترافق هذا الدمار الميداني مع انهيار اقتصادي متسارع، حيث بلغت الخسائر الأسبوعية نحو 9 مليارات شيكل، وسط شلل شبه تام في قطاعي الملاحة والطيران؛ إذ علقت كبرى الشركات العالمية رحلاتها إلى مطار بن غوريون لتعزله جوياً بنسبة 80%، بينما توقفت الحركة في ميناء إيلات وقفزت رسوم التأمين البحري بنسبة 250%. ورغم محاولات الرقابة العسكرية التكتم على حجم الدمار في المواقع الحساسة، إلا أن تقديم أكثر من 10 آلاف طلب تعويض لسلطة الضرائب يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي وضعت الميزانية العامة أمام عجز اضطراري استلزم تخصيص 39 مليار شيكل كحزمة طوارئ أولية لمواجهة تداعيات الحرب.
وأمام هذا المشهد، وصلت المغامرة والمقامرة لدى نتنياهو والإدارة الأمريكية إلى مرحلة متقدمة وشديدة الخطورة باستهداف عصب قطاع الطاقة الإيراني، عبر ضرب منشآت حقل "بارس" للغاز، بالتزامن مع توجيه القوات الأمريكية ضربة مباشرة لمنشآت النفط الحيوية في جزيرة "خرج". هذا الاستهداف المزدوج كان محاولة يائسة لتركيع الدولة، لكنه حوّل الصراع إلى حرب استنزاف اقتصادية شاملة.
وردت إيران بالانتقال إلى مرحلة متقدمة من المواجهة، مرسيةً سياسة ردع قاسية: "العين بالعين": منشأة نفطية بمنشأة نفطية، بنية تحتية ببنية تحتية، ومنشأة نووية بمنشأة نووية. هذا التصعيد الإيراني يتكئ على بيئة إقليمية مشتعلة؛ فمضيق هرمز مغلق تماماً في وجه الملاحة الغربية، وجبهة اليمن تضع إصبعها بثبات على الزناد مستعدة لخنق شرايين الإمداد. وفي خضم هذا التسارع الميداني، استيقظت دول الخليج على واقع جيوسياسي جديد، لتكتشف أنّ وجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها لم يكن نعمة قط، بل جلب لها نقمة لا طاقة لها بها، ووضعها في عين العاصفة. هذه الصحوة الاستراتيجية، إنْ قُدّر لها أنْ تستمر، ستحتم على العواصم الخليجية البحث الجدي عن طرق لإعادة التفاهم مع إيران؛ الجارة القوية التي أثبتت الأحداث أنه لا يمكن طمس تاريخها، ولا تشويه جغرافيتها أو القفز عنها بأوهام الحماية الأمريكية.
وفي خط موازٍ لهذه الخريطة المشتعلة، يبرز المسار الأمريكي. يتحرك الرئيس دونالد ترامب دافعاً بقوات وأساطيل جديدة إلى المنطقة، بعد فشل حاملات الطائرات في ترويع إيران، مصطدماً ببرود وعدم تجاوب حلفائه في أوروبا وخارجها الذين أدركوا مبكراً حجم المقامرة ورفضوا الانجرار خلفها. ولكن، هل يهدد ترامب حقاً باستخدام القوة البرية والإنزال؟ وهل سينفذ؟ الواقع الاستراتيجي يقول إنّ أسعار النفط ستتصاعد بجنون، وتفاقم أزمة التزويد لن تترك له فرصة حقيقية للتورط المباشر. كل ما يفعله ترامب الآن هو تراكم مزيد من القوة العكسية والاستعراضية ليكتب خطاب نصر خيالي، يقبل بعده بالتراجع لإنقاذ وكيله المأزوم في المنطقة.
وقد تجلى عمق هذا المأزق الصهيوني ليلة الجمعة وصباح السبت 21 آذار، فما جري لم يكن مجرد سيناريو افتراضي، بل مثّل واقعاً دموياً قلب حسابات الكيان. أضاءت سماء النقب بالصواريخ الانشطارية العنقودية ذات القدرة التدميرية الهائلة، وتساقطت كالمطر متجاوزة كل منظومات الاعتراض. كان المشهد كارثياً؛ دمار واسع في مدينة عراد، وضربات دقيقة هزت أطراف مفاعل "ديمونا" النووي. ورغم هذا الزلزال الميداني والفشل الدفاعي غير المسبوق، لم يقل نتنياهو "أخ" حتى اللحظة، ولم يتوسل لإنهاء الحرب، مكابراً خوفاً من سقوطه المريع، لكن كيانه بأسره يصرخ ويئن من الألم تحت الإقامة المريعة في الملاجىء ووطأة الانهيار والشلل التام.
لعبة "عض الأصابع" وصلت إلى لحظاتها الحرجة، والضغوط تشتد على فكي الكيان الهش. والسؤال الأهم الذي سيحدد شكل المنطقة لعقود قادمة لم يعد مقتصراً على إسرائيل وحدها: كيف ستدير أمريكا منطقة الشرق الأوسط، إذا ما فتح نتنياهو فمه قليلاً تحت وطأة هذا الوجع وقال "آخ"، وأفلت منه إصبع الإيراني إلى ما شاء الله؟
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |