إيران تُعاد صياغتها: من دولة إقليمية إلى «لادولة مُدارة»

ليث الجادر
2026 / 3 / 22

لم تعد الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قابلة للقراءة ضمن منطق «التصعيد العسكري» التقليدي. فاختزال ما يحدث في كونه محاولة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية يُخفي ما هو أعمق: نحن أمام مسار لإعادة تشكيل وظيفة الدولة الإيرانية ذاتها، وإعادة إدراجها ضمن توازنات إقليمية ودولية جديدة بشروط مختلفة.

السؤال المركزي هنا لا يتعلق بإمكانية هزيمة إيران، بل بطبيعة الشكل الذي يُراد لها أن تؤول إليه.

ضمن هذا الإطار، تبرز فرضية تفسيرية مفادها أن الهدف الاستراتيجي لا يتمثل في إسقاط الدولة الإيرانية بالكامل، بل في دفعها نحو حالة «اللادولة المُدارة»؛ أي نموذج هجين تتآكل فيه سيادة المركز وقدرته على احتكار القرار والعنف، دون أن يختفي كلياً، بحيث تبقى الدولة قائمة شكلياً، لكنها مُقيدة عملياً بشبكات ضغط داخلية وخارجية.

هذا النموذج يختلف عن «الدولة الفاشلة» الكلاسيكية. فهو لا يقوم على الانهيار، بل على إعادة ضبط: إضعاف محسوب، تفكيك جزئي، وإبقاء بنية سياسية قادرة على التفاعل—لكن ضمن حدود مرسومة.

إدارة الهدف الواحد: تباين أمريكي–إسرائيلي

ضمن هذه الرؤية، لا يبدو التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل تناقضاً استراتيجياً بقدر ما هو اختلاف في إدارة الهدف.

المقاربة الأمريكية تميل إلى إنتاج «ضعف قابل للاحتواء». فهي تستهدف تقليص القدرات الإيرانية، وكبح امتدادها الإقليمي، وإخضاعها لضغط مستمر، مع الحفاظ على بنية الدولة كأداة تفاوض وضبط. هذه المقاربة تستند إلى إدراك تاريخي بأن انهيار الدول الكبرى في بيئات معقدة غالباً ما يُنتج فوضى تتجاوز القدرة على التحكم.

في المقابل، تتبنى إسرائيل تصوراً أكثر حدّية، يقوم على أن بقاء البنية الحاكمة—وهي ضعيفة—يحمل دائماً إمكانية التعافي وإعادة إنتاج التهديد. ومن ثم، فإن تفكيك هذه البنية، أو ضرب ركائزها العميقة، يُعد شرطاً لضمان عدم عودتها.

هنا لا يدور الخلاف حول «هل يجب إضعاف إيران»، بل حول «إلى أي حد يجب الذهاب في هذا الإضعاف»، وما إذا كانت الفوضى أداة يمكن توظيفها أم خطر يجب احتواؤه.

روسيا والصين: كبح الهيمنة لا إنقاذ الحليف

في المقابل، تتحرك روسيا والصين ضمن منطق مختلف. فغياب التدخل المباشر لا يعكس حياداً، بل يعكس حسابات أدق تتعلق بتوازن القوى العالمي.

كلتا الدولتين معنيتان بمنع تكريس هيمنة أمريكية مطلقة على الشرق الأوسط، لكنهما في الوقت ذاته لا ترغبان في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. لذلك، فإن سلوكهما—بما في ذلك أي دعم غير مباشر لإيران—يمكن فهمه بوصفه محاولة لضبط مسار الحرب، لا قلبه.

الهدف هنا مزدوج: منع انهيار إيران الكامل بما يُنتج فراغاً غير قابل للإدارة، ومنع استقرارها كقوة مستقلة قادرة على إعادة تشكيل الإقليم خارج توازنات القوى الكبرى.

إيران كساحة لا كدولة

إذا استمر هذا المسار، فإن النتيجة المرجحة ليست «سقوط إيران»، بل تحوّلها التدريجي إلى مساحة صراع مُدارة.

في هذا السيناريو، تتراجع مركزية القرار، وتتوزع السلطة بين مؤسسات متنافسة، وشبكات نفوذ داخلية، وامتدادات إقليمية تعيد تعريف علاقتها بالمركز. الدولة لا تختفي، لكنها تفقد قدرتها على العمل كوحدة متماسكة.

هنا، تتحول إيران من «فاعل» إلى «ساحة»: تتقاطع داخلها مصالح القوى الكبرى، وتُدار توازناتها بدرجة أكبر من الخارج، حتى وإن احتفظت ببنية سيادية شكلية.

خاتمة: الضعف كصيغة نظام

ما يجري لا يبدو كحرب تهدف إلى الحسم، بل كعملية لإنتاج توازن جديد عبر إعادة تعريف الضعف ذاته.

إيران، في هذا الإطار، ليست أمام خيار البقاء أو السقوط، بل أمام احتمال ثالث: أن يُعاد تشكيلها كـ«لادولة مُدارة»، حيث يُستبدل الاستقرار التقليدي باستقرار منقوص، وتُضبط الفوضى بدلاً من إنهائها.

السؤال الحاسم لم يعد: هل ستنهار إيران؟

بل: من سيحدد شكل هذا الضعف، وكيف سيُدار—ومن سيدفع كلفته في النهاية؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي