أفكارٌ بسيطةٌ غير مُلزِمة لِأحَدْ .. ( 91 )

زكريا كردي
2026 / 3 / 20

تدور هذه المرة حول التفكير في الأثر الهائل لغياب القائد الرمز في العقل الشرقي .
-----------------------
- يبدو لي أنّ علاقة الإنسان الشرقي بفكرة " القائد " ليست علاقة سياسية ثقافية فحسب، بل علاقة نفسية - وجودية ، تمتد جذورها إلى عمق التاريخ والديني و الاجتماعي..
فالقائد في المخيال الشرقي، ليس مجرد فرد عادي، تولى إدارة شؤون الناس، لأسباب كثيرة وظروف مختلفة ،
بل هو رمز ، أب ، ظلٌّ حامٍ ، ومركز ثقل نفسي هائل ، تستند إليه ذهنية الجماعة في تعريف ذاتها وتحديد اتجاهاتها ..
بل وكثيرا ما يُشكل لها مصدراً للأمان، و مانحاً للشرعية ، حامياً من الفوضى في علاقاتها كافة ، وصوتا حكيماً منزهاً في ارشادها وإدارتها، بل أعلى من صوت ايّ فرد آخر فيها ..
- بالطبع ، هكذا علاقة وشيجة غير سوية ، بين الفرد المثال والجمهور بعامة ، تجعل الجماعة - مع مرور الوقت - تعتمد على هذا القائد الملهم ، اعتمادا نفسيا ، لا تنظيميا ..
وبالتالي نلاحظ ، عندما يُقتل هذا الزعيم الملهم او يُغيّبْ قسراً أو ..،
لا تتضعضغ مناحي السلطة الحاكمة التي يُمثلها فقط ، بل تضيع معه البوصلة الداخلية ، لكل السلطات الحاكمة المرتبطة به ، والادارات التي كانت تضبط إيقاع مسير هذه الجماعة يوماً ما..
المُحزن في الأمر ، أنه في العقل الشرقي التقليدي تحديداً ، لم تُبنَ بعد ذهنية المؤسسات لتكون بديلاً عن الأشخاص ..
لذلك نشاهد في مشرقنا العجائبي ، حين تكون الدولة فاشلة و ضعيفة ، والقانون هشاً ، والسلطات متشابكة ، يصبح القائد هو المؤسسة نفسها و وجوده هو النظام ..
وبالتالي لاغرابة ، أن يكون سقوطه او غيابه فجأة ، يعني - غالباً - سقوط النظام وغياب المرجعية برمتها ..
او موته يعني موت الفكرة ( السياسية - الدينية - الحزبية .. ) .. التي كان يقودها و يجسدها..
بل ربما هذا ، يفسر لنا الان ، ما نراه في أتون الحروب المعاصرة، حين يُقتل هذا الرمز او ذاك ، أو يُعدم على الملأ، ويُهان أو ..
فنرى كيف يحدث للناس ما يشبه " الصدمة النفسية الجمعية "، أو ذهول عقلي طويل ..
حيث رأينا كيف تفقد الجموع توازنها العقلي والسياسي وحتى الاخلاقي ، فقط لأنها فقدت مركزها العاطفي والمثال الروحي ...
ونرى ايضا كيف تبدأ الجموع أول الأمر بالنكران ، وعدم تصديق ما حدث ، ثم ليبدأ بعد ذلك انتشار الهذر الايماني الجماعي فيها ، من ان الامر فيه حكمة الهية ، او ان كله مؤامرة ، والواقع هو مجرد وهم ، و و و. الخ.
وهنا ربّ سائل يسأل : ألا يحدث ذلك في الغرب أيضا ..؟!
في تقديري وحسب ملاحظاتي الاجابة : قطعاً لا
الغرب مختلف جداً في هذا الامر عن الشرق ..
ليس لأن العقل الغربي "أفضل"، بل لأن الظروف التاريخية والثقافية الدينية ، صنعت عندهم نموذجاً مختلفا كلياً عن الخراب العقلي الذي لدينا :
نعم في الغرب ، قد يموت القائد ، ولكن تبقى الفكرة ..
بينما في الشرق - للاسف - تموت الفكرة بموت حاملها.
في الغرب نرى عندهم الفرد مستقلا نسبياً ، والمؤسسات قوية ، والقائد (أو الرئيس ) مجرد موظف، لا أب معلم، أو نبي و لا إمام مقدس..
والاهم عندهم في رأي ، هو أن النقد في التعامل مع الرموز ، والافكار ، جزء اساس من الثقافة التربوية العقلية ..
ولا ننسى ايضا ، انّ السلطة لديهم - بكافة اشكالها - تُوزّع ، لا تُركّز في فهم واحد ـ أو يد رمز واحد ، أو فهم امام واحد ..
لذلك، حين يغيب القائد عندهم ، أو يقتل أو ,,أو ، لا تضيع الدولة ، ولا تتوه الجموع من بعده ، لأن أفهام تلك الجموع عقلانية منظمة ، لم تُبنَ اصلاً على فهم شخص واحد أوحد بعينه ، بل على نظام متكامل ذي قواعد يحترمها الجميع، ومتفاعلة بحرية تامة، من اجل المصلحة العامة ..
- في المقابل - للأسف الشديد - ، نجد العقل الشرقي لدينا ، يميل إلى الانفعال قبل التحليل ، الولاء قبل النقد ، الشخصنة قبل التجريد ، العاطفة قبل المنطق ، التكفير قبل التدبير ..
وهذا هو - في رأي ، الخراب الاساس ، الذي يجعل من ذهاب القائد الرمز عندنا ، ذهاباً مهدماً لفهم لإنسان، و ضياعاً محتماً لعزم البلدان..
قصارى القول :
أنا اعتقد بان كل طرف عاقل متعلم، يدخل في معركة مع الشعوب الشرقية من اجل سيطرة ومصالح و و و، سيدرك جيداً ، أن احدى اهم نقاط ضعفها، ليس الجهل المقدس والتدهور العقلي او التخلف العلمي وحسب، بل في تسريع موت الفهم القائد ، الامام الرمز السائد، والقائد الخالد ..
الذي سينهار حتماً وراءه الخيال الجمعي الذي بُني حوله، ويتفكك بعده كل النظام النفسي الذي كان يستند إليه وعي هؤلاء الناس المغيبين ..
وبهذا تكون الهزيمة اسرع مما نظن، او اقوى مما نتصور .
- الحق أن جوهر مقالي هذا، ليس مقصوده البحث في أزمة الوعي في الشرق ولا في الغرب.. بل في السؤال الذي يتبادر الى ذهني :
ترى أما آنَ الأوان ، كي نتعلم مما يجري علينا ، ونفهم حقيقة حالنا، وندرك احوال ضعفنا ..؟!
أما آن الاوان كي نتساءل :
الى متى سنظل نبني أوطاننا على أشخاص، لا على أفكار.. على رموز.. لا على مؤسسات,, على العاطفة، لا على النقد وحرية الوعي.؟!
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurdi

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر