ومضة ضوء :((بنيامين نتنياهو... سانتا كلوز الشرق الأوسط))

محمد سعد خير الله
2026 / 3 / 19

مصباح علاء الدين في المخيال العربي رمزٌ أسطوري للقوة الخارقة وتحقيق الأمنيات المستحيلة؛ ينتمي إلى عالم ألف ليلة وليلة، حيث يكفي أن يُفرك المصباح البرونزي القديم حتى يخرج الجني مطيعًا، ينفّذ ما يطلبه صاحبه في طرفة عين. وفي المقابل، يقف في المخيلة الغربية سانتا كلوز بوصفه الصورة الأكثر واقعية لفكرة توزيع الأمنيات، يظهر في الأيام الأخيرة من كل عام محمّلًا بالهدايا، في مشهد احتفالي ينتظره الأطفال بشغف.

ولهذا ليس غريبًا أن تتردد في الثقافة اليومية، عربيًا وغربيًا، عبارات من قبيل: "أنا لست جنيَّ مصباح علاء الدين"، أو "أنا لست سانتا كلوز"، حين يُطلب من شخص ما ما يفوق قدرته على التحقيق. لكن السياسة، أحيانًا، تنتج شخصيات تبدو، في نظر مؤيديها أو خصومها، وكأنها تجاوزت حدود المألوف...منذ أيام كنت ضيفًا على الإعلامية ماريا عبد ربه في إذاعة راديو مكان الإسرائيلية، للحديث عن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وخلال الحوار قلت عبارة أجدني اليوم أكثر اقتناعًا بها: إن بنيامين نتنياهو هو سانتا كلوز الشرق الأوسط.

قد تبدو العبارة صادمة، لكنها بالنسبة لي ليست انفعالًا، بل توصيفًا سياسيًا نابعًا من قراءة باردة للنتائج المتراكمة خلال العامين والخمسة أشهر الماضية؛ فمنذ الأحداث الإرهابية في السابع من أكتوبر 2023، لم تتوقف "الهدايا السياسية والعسكرية" التي قدّمها نتنياهو لمعادلات المنطقة، سواء اتفقنا معه أم اختلف البعض عليه " ولستُ منهم".

من كان يتصور أن الرؤوس الكبرى لمعسكر العداء والسرديات الصفرية المقدسة، ذلك الذي أُطلق عليه طويلًا "محور الممانعة"، ستتساقط بهذا الشكل؟ في غزة، انتهى حضور يحيى السنوار ومحمد الضيف، وأعداد لا تُحصى ولا تُعدّ على شاكلتهما، وحركة حماس ذاتها تقضي خريفها بامتياز.

وفي لبنان، خرج حسن نصر الله والعديدون مثله من المعادلة السياسية والعسكرية، وأصبح الوقت الآن ملائمًا للحديث عن كيف ستتم كتابة نهاية حزب الله...وفي سوريا، غادر بشار الأسد بلا رجعة إلى روسيا، وانتهى نظامه البعثي؛ هذا الرجل الذي ضرب بني وطنه بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية...وفي إيران نفسها، دخلت القيادة العليا طورًا غير مسبوق من الاستنزاف بعد اغتيال علي خامنئي في الضربة التي شكّلت نقطة تحوّل كبرى في مسار الحرب.
ثم جاءت الضربات اللاحقة لتضيف أسماء أكثر حساسية داخل بنية النظام الإيراني، بما لا يقل عن أربعمائة مسؤول...في الدولة، في أرفع المناصب وأكثرها حساسية، وعلى كل المستويات.

آخرهم منذ ساعات علي لاريجاني، الذي لم يكن مجرد مسؤول سياسي عابر، بل رجل دولة من الحلقة الأكثر قربًا من مركز القرار الإيراني؛ تولّى رئاسة البرلمان سابقًا، وقاد الملف النووي لسنوات، ثم أصبح أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، أي العقل التنسيقي بين المؤسسة العسكرية والسياسية. وكان يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر الشخصيات قدرة على إدارة مرحلة ما بعد خامنئي، قبل أن تعلن إسرائيل استهدافه في طهران.

وترافق معه غلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج، الذي لم يكن مجرد قائد ميداني، بل أحد أهم أدوات القبضة الداخلية للنظام. فالباسيج، بوصفها الذراع التعبوية والأمنية للحرس الثوري، لعبت الدور الأبرز في قمع الاحتجاجات الشعبية، خصوصًا احتجاجات الشابات والشباب الإيراني خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة في الموجة التي سبقت الحرب الدائرة مباشرة، والتي قُتل فيها آلاف الشابات والشباب الإيراني الشجعان الأبرياء، الذين لم يحلموا إلا بالحرية.

أنا القادم من تلك البقعة التي تسمى الشرق الأوسط، أعرف جيدًا ما الذي صنعته الحركات الإرهابية الإسلامية المسلحة، وما الذي صنعه النظام الإيراني بوصفه الراعي الأكبر لها. أعرف كيف تحولت مدن إلى أطلال، وكيف أُهدرت أجيال كاملة، وكيف أُعيد إنتاج الموت بوصفه خطابًا سياسيًا يوميًا. وأعرف أيضًا كيف انتقلت آثار ذلك إلى أوروبا: استقطابات حادة، وانقسامات مجتمعية، وتوتر ثقافي، وعودة التفكير في أيام كنا نظن أن القارة تجاوزتها منذ عقود. إن التراكم الهائل لسنوات من الاستثمار في الكراهية هو ما يجعل قطاعات واسعة في الشرق الأوسط عاجزة عن الاعتراف بما يحدث أمامها.

ففي المخيال الجمعي الذي يتشكل عبر ثلاثية: المسجد، والمدرسة، والخطاب السلطوي الرسمي، تُزرع صورة اليهودي والإسرائيلي بوصفه العدو المطلق، لا بوصفه خصمًا سياسيًا يمكن تقييم أفعاله بميزان النتائج.

ولهذا يصعب على كثيرين الاعتراف بأن ما تحقق خلال هذه الحرب يتجاوز ما كان يبدو ممكنًا حتى في الخيال السياسي. ولو ظهر جني مصباح علاء الدين نفسه، أو نزل سانتا كلوز من سماء السياسة، فلن يكون من السهل عليهما تحقيق ما تحقق فعليًا على الأرض خلال هذه الفترة على يد رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وحصرٌ دقيق لجرائم ملالي إيران، والحوثيين، وحماس، والجهاد الإسلامي، وحزب الله، والميليشيات التابعة للنظام الإيراني، كل هؤلاء داخل حدود أوطانهم، سيجعلنا نتأكد أكثر من قيمة هذه الهدايا وعظمتها.

لهذا أقول: إن القراءة الموضوعية المنصفة تقود إلى نتيجة واحدة: أن سانتا كلوز ظهر فعلًا في الشرق الأوسط، لكنه لم يأتِ هذه المرة محمّلًا بألعاب الأطفال، بل بإعادة صياغة جذرية لموازين القوة في المنطقة، بما قد يفتح أفقًا جديدًا يحدّ من حمّامات الدم، ويكسر دوائر العنف المزمنة، ويدفع الشرق الأوسط نحو بداية مختلفة يكون فيها الانتصار أخيرًا لقيمة الإنسان. شكرًا لبنيامين نتنياهو، سانتا كلوز الشرق الأوسط.

تنويه: نُشر هذا المقال في عمودي بصحيفة Bulletin السويدية يوم،19 مارس 2026، ويُنشر هنا حصريًا
باللغة العربية في الحوار المتمدن.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر