ما مشكلة بغداد مع أربيل ؟

محمد رضا عباس
2026 / 3 / 19

أربيل هي عاصمة إقليم كردستاني . حاز الإقليم الكردي على الفدرالية بعد ان اقرها الدستور العراقي عام 2005. ومنذ ذلك الوقت لم تكن العلاقة بين المركز وبغداد سهلة , حيث ان الإقليم تجاوز على قوانين المركز بحجج مختلفة , مما خلق جوا عاما بان النظام الفيدرالي الذي يتمتع به الاكراد غير صالح للتطبيق , وغدت الفيدرالية مطلب يخيف الشعب العراقي . ولو كانت تجربة إقليم الكردي ناجحة لكان العراق يتمتع بأكثر من فيدرالية واحدة , لان النظام الفيدرالي نظام ثبت نجاحه في جميع الدول الفيدرالية , حيث ان أبناء المناطق الفيدرالية يتمتعون في استقلالية قرارتهم على ان لا تخالف دستور الدولة والذي يحكم البلد بأجمعه.
ماهي مشاكل بغداد مع إقليم كردستان الإقليمي ؟ المشاكل كثيرة , ولكن سوف اوشر الى خمسة منها وهي :
1. تمدد الإقليم على المناطق المجاورة له . منطقة كردستان كما يعرفها العراقيون تشمل ثلاث محافظات وهي أربيل ودهوك والسليمانية , وان مساحة هذه المحافظات ما يقارب 75 الف كيلو متر مربع . الا ان هذه المساحة وبسبب تجاوزات الإقليم على المناطق الحدودية له قد توسعت بمرور الزمن بأكثر من 23 الف كيلو متر مربع . وبحسب إحصائية كشفت عنها وكالة فرنس 24 , فان الإقليم قد تجاوز على تسعة الاف كيلو متر مربع من محافظة نينوى , ستة الاف و 500 كيلو متر مربع من محافظة كركوك , 1500 كيلو متر من محافظة صلاح الدين , 3500 كيلو متر مربع من محافظة ديالى , و 3500 كيلو متر مربع أخرى في منطقة مخمور التي يعتبرها الاكراد جزء من محافظة أربيل وكانت ملحقة لمحافظة نينوى في تسعينيات القرن الماضي . هذه المناطق والتي يدعي الإقليم بانها تابعة له وانها كردية الأصل وعربها النظام السابق قد سميت " المناطق المتنازع عليها".
2. تنقيب وإنتاج وتسويق نفط الإقليم من غير علم بغداد . هذه المشكلة تعد ثاني اعقد الملفت ما بين بغداد واربيل , حيث اختلفا على كيفية إدارة الثروة النفطية والغازية في الإقليم وكيفية التعامل مع إيراداتها المالية . فبموجب الدستور العراقي , فان تطوير الحقول النفطية وعمليات التسويق والتصدير يجب ان تكون محصورة بيد وزارة النفط الاتحادية استنادا للقوانين النافذة بموجب المادة 130 من الدستور العراقي . في حين يرى الإقليم ان من حقه تطوير الحقول وتسويق النفط والغاز دون العودة الى الحكومة الاتحادية وذلك استنادا لقانون رقم 22 من سنة 2007 الذي شرعه الإقليم والذي لم تعترف به الحكومة الاتحادية لكونه يخالف المادة 112 من الدستور العراقي.
3. دفع رواتب موظفي الإقليم . لم تكن هذه القضية من القضايا العالقة بين بغداد واربيل . الا انها طافت على السطح بعد انهيار سوق النفط العالمي وعدم استطاعت الإقليم دفع أجور موظفيه الشهرية , وبنفس الوقت كشفت حجم الفساد المالي والإداري فيه , والذي حاول الحزبين الكرديين , الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني , باستخدامه ورقة امام المكون الكردي على ظلم الحكومة الاتحادية للشعب الكردي , وأصبحت القضية على شفاه كل مواطن كردي, من ان الحكومة الاتحادية هي السبب في نشر الفقر والعازة في الإقليم . و قصة معاناة موظفي إقليم كردستان من عدم استلامهم رواتبهم الشهرية بانتظام يعود الى منتصف عام 2014 . في هذا الوقت , قررت الحكومة الاتحادية بوقف ارسال حصة الإقليم و البالغة 17% من حصة الميزانية العامة الى حكومة الإقليم , والسبب هو بدء الإقليم بإنتاج و بيع النفط الخام وعدم ارسال أموال البيع الى الخزينة العامة , على فرض ان الواردات النفطية يستفاد منها جميع افراد الشعب العراقي , وليس فقط المحافظات المنتجة له.
4. الإقليم اصبح وكرا لجميع من يعارض النظام السياسي . هذه القضية ازعجت الشارع العربي في العراق . الإقليم و باسم حرية التعبير سمح لمن هب ودب للكثير من المعارضة للنظام الديمقراطي في العراق , البعض منهم متهم بالإرهاب وقتل العراقيين. اكثر من ذلك , ان ايران اتهمت الإقليم بالسماح للموساد الإسرائيلي بالتجسس على أراضيها الامر الذي أدى بإيران بقيام هجمات صاروخية على الإقليم اكثر من مرة .
5. الطموح نحو الاستقلال . لست ضد هذا التوجه , حيث لكل قوم حرية تقرير مصيره بدون تدخل . الا ان مشكلة الإقليم هو انه يريد الانفصال ليس عن طريق التراضي والحوار الوطني , بل عن طريق الامر الواقع وهو امر رفضته دول المنطقة , أوروبا , والولايات المتحدة الامريكية . كانت اول محاولة للانفصال هو عندما قرر السيد مسعود بارزاني اعلان الاستفتاء على الانفصال في يوم 25 أيلول 2017 . الاستفتاء جاء بنتيجة الموافقة على الانفصال بنسبة اكثر من 90% من أصوات المشاركين في الاقتراع, ولكن الاقتراع مات في يوم ولادته , وذلك بسبب رفض العالم له عدا إسرائيل . لقد جاء اعلان الاستفتاء على الانفصال بينما كانت بغداد منهمكة بمحاربة المجاميع الإرهابية والتي تأسست لمحاربة التغيير , ودفعت بكل عتاة القتل والتخريب لقتل الحياة في العراق مستخدمة افظع طرق القتل والتخريب, ولهذا السبب نظر المواطن العراقي لقرار الإقليم بالانفصال طعنة نجلاء في الظهر, ورفضته جميع الأحزاب العراقية عدا الأحزاب الكردية .
كما ذكرت , انا لست ضد طموحات الكرد العراقيين بتأسيس دولتهم , ولكن مثل هذا القرار يجب ان لا ينفرد به زعامة معينة دون اخذ المشورة من بقية الزعامات . القيادة الكردية لا تنظر الى بغداد على انها المركز المسؤول عن الوطن , و تعترف بان بغداد مثلما هي مسؤولة عن محافظة البصرة و الانبار و الموصل , فأنها مسؤولة عن الإقليم أيضا. اصبح المواطن العراقي في المناطق غير الكردية يشعر ان الكرد اصبحوا لا يعترفون بدولة اسمها العراق او مركز سياسي يسمى , بغداد.
اخر موقف اغضب الشعب العراقي هو قرار الإقليم بمنع بغداد تصدير نفط العراق من خلال الانبوب العابر أراضي الإقليم الى تركيا بعد ان أغلقت ايران مضيق هرمز و منعت مرور السفن المحملة بالنفط عبوره , بحجة ان هناك مشاكل مع بغداد يجب حلها قبل السماح . تراجع الإقليم عن هذا القرار بعد ان اتخذت بغداد قرارا بإصلاح أنبوب نفطي اخر لا يمر عبر ارض الإقليم وانما يمر عبر محافظة نينوى الى تركيا. هناك اخبار صحفية تقول ان تراجع الإقليم من منع بغداد استخدام الانبوب النفطي العابر ارضه , جاء بتوصية امريكية . الله اعلم.

ملاحظة : اخذت بعض المعلومات من كتابي : استفتاء انقصال إقليم كردستان , الأسباب والنتائج , أوراق , 2019.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر