الحصار النفطي على روسيا في الطريق , ولكن بعد حين

محمد رضا عباس
2026 / 3 / 16

لا تضحك . عنوان المقال يبدو غريبا , انه يقول شيء والواقع الحالي للنفط الروسي شيء اخر. في الوقت الحالي يعيش قطاع النفط الروسي أيامه الذهبية حيث بمجرد سمحت الولايات المتحدة برفع العقوبات عن النفط الروسي تهافتت الدول لشرائه . روسيا أصبحت تجنبي أرباح ضخمة من القرار الأمريكي والذي هدفه هو تلطيف سوق الطاقة العالمي , بعد ان توقع المختصون بارتفاع سعر البرميل النفط الواحد اكثر من 100 دولار في ظل الحرب الدائرة على ايران وتهديدها بأغلاق مضيق هرمز .
ولكن تغيير النظام في فنزويلا وهي الدولة التي تملك من احتياطي النفط ما يساوي 17.1% من حصة العالم و اشعال حرب على ايران التي تملك 11.82% من حصة العالم يوحي ان ادارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تريد محاصرة قطاع الطاقة روسي بعد الانتهاء من الحرب على ايران . الرجل يريد الهيمنة على خزين النفط العالمي بكل ما اوتيه من قوة عسكرية , وبذلك لا تكون الولايات لمتحدة الامريكية دولة مصدرة للطاقة فحسب , وانما بيدها صنبور الطاقة العالمي , هي التي تقرر من البائع ومن المشتري للطاقة , كميتها , طريقة نقلها , وبذلك ينتهي دور روسيا في تامين الطاقة للعالم وربما طردها نهائيا من سوقه . وهذا ما جاء بتصريح المقربين من الرئيس ترامب . انهم يريدون الاستيلاء على الدول ذات الخزين النفطي الضخم , من اجل التحكم به . لقد قالوها عندما اسقطوا النظام في فينزويلا , ويقولوها الان في حربهم على ايران.
لقد اسقطوا نظام مادورو ليس من اجل تحرير شعبها من الديكتاتورية او انقاذ شعبها من مجاعة الحصار الاقتصادي , وبالتأكيد لم يكن لمحاربة تجار المخدرات . تغيير النظام جاء من اجل الاستحواذ على نفط البلاد وهذا ما جاء بتصريحات الرئيس دونالد ترامب المتكررة . ففي اجتماع مع المديرين التنفيذيين لشركات النفط الامريكية كشف ترامب ان انتاج النفط الخام في فنزويلا سوف يتم تكريره وبيعه تحت اشراف الولايات المتحدة , معتبرا , ان " احتياطيات النفط الفنزويلية " هائلة وضخمة جدا" وتعد من بين الأكبر في العالم , مضيفا مع فنزويلا " سيكون لدينا 55% من احتياطي النفط العالمية" . وفي خطوة تعكس تشديد الرقابة الامريكية على حركة النفط الفنزويلي واليات تسويقه , قال الرئيس ترامب ان الولايات لمتحدة وبالتنسيق مع السلطات الفنزويلية المؤقتة استولت على ناقلة نفط غادرت فنزويلا من دون موافقة واشنطن , موضحا ان الناقلة اعيد توجيهها الى فنزويلا , على ان يباع النفط ضمن اطار " الصفقة الكبرى للطاقة" التي انشاتها الإدارة الامريكية خصيصا لهذا النوع من العمليات .
والحقيقة ان حجم النفط الاحتياطي الذي تحدث عنه الرئيس ترامب هو ليس 55% من احتياطي النفط العالمية , وانما اقل بكثير حيث ان احتياطي فنزويلا يشكل 17.1% من الحصة العالمية وان الولايات المتحدة تملك 4.74% , وبذلك فان الاثنين يشكلون نسبة 21.84% حسب إحصاءات عام 2025. ولكن لو اضفنا احتياطيات النفط في الدول الموالية للولايات المتحدة الامريكية , فان حجم الاحتياطي العالمي الذي سيكون تحت يد الولايات المتحدة هو ما يقارب 70% من احتياطي العالمي. حيث ان كندا , على سبيل المثال , لها احتياطي نفطي قدره 163 مليار برميل , وهو يمثل 9.24% من احتياطي العالم , والامارات العربية تملك 113 مليار برميل من احتياطي العالم والذي يشكل 6.40% من الحصة العالمية . هذه النفوط سوف لن تتحرك شمالا وجنوبا بدون الموافقة الامريكية , وسوف تعمل بشدة بمنافس النفط الروسي في الأسواق العالمية مع كل ازمة سياسية بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية .
اذن , نحن نتحدث عن احتياطي نفطي عالمي غير موزع بالتساوي بين قوتين عالميتين , أمريكا وروسيا . اننا نتحدث عن خزين نفطي مستقل عن الهيمنة الامريكية وقدره 6.03% من حصة العالم (4.53% لروسيا و 1.60% لصين )يقابله ما يقارب 93% تحت هيمنة الولايات المتحدة مباشر او غير مباشر .
ماذا يعني ان يكون 93% من حصة احتياط النفط العالمي تحت الهيمنة الامريكية ؟ يعني الكثير , ومنها :
1. يعني بقدرة القرار الأمريكي على تحديد كمية الإنتاج العالمي , كيفية تسويقه , وسائل نقله , ومن هو المشتري ومن هو البائع . بمعنى هيمنة كاملة على سوق النفط بدون منازع وإلغاء قانون العرض والطلب المعروف عند الاقتصاديين . لقد طبق هذا المبدئ على النفط الروسي عند اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية . روسيا اضطرت ببيع نفطها اقل من أسعار السوق العالمية.
2. هذا الكم الهائل من احتياطي النفط العالمي والذي يقع تحت الهيمنة الامريكية سيوفر على الإدارة قدرة التحكم السياسي مع أي دولة نفطية تخرج عن الطاعة الامريكية . منع العراق من تصدير نفطه بعد ان احتل دولة الكويت , وعلى الرغم من انه يملك 8.22% من الحصة العالمية , الا ان أسعار النفط في أسواق النفط العالمية لم تتأثر . دول نفطية أخرى حلت محله بدعم امريكي.
3. مع هذا الحجم الهائل من الاحتياطي النفط العالمي تحت الهيمنة الامريكية , يجعلها هي التي تقرر وجهة تسويق النفط . اصبح من السهل على الولايات المتحدة ان تمنع دول من تصدير النفط الى الدول غير الموالية لها . على سبيل المثال , الرئيس ترامب منع تصدير النفط الى كوبا مما خلق ازمة طاقة خانقة في هذا البلد , ولم تنقذها الا المكسيك , حيث أصرت هذه الدولة على تصدير نفطها اليها .
4. وان غزارة النفط تحت الهيمنة الامريكية يعني انهاء أهمية الطاقة الروسية في الأسواق العالمية . حصة روسيا العالمية تساوي 4.53% وهي حصة صغيرة ويمكن منافستها وطردها من السوق العالمية مع كل ازمة سياسية مع الولايات المتحدة الامريكية , وبذلك تكون روسيا قد خسرت موردا ماليا ضخما ويشكل ضربة قوية لاقتصادها.
5. ومع طرد روسيا من سوق النفط العالمية , تكون روسيا قد خسرت قوتها السياسية حول العالم . والحقيقة ان وقوف روسيا على الحياد في الحرب الدائرة على ايران سوف لن يسمح لها الوصول الى المياه الدافئة , وسيتعرض امنها واستقلالها ووحدتها الى الخطر في حالة انهيار النظام الإيراني .

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر