|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزالدين بوغانمي
2026 / 3 / 16
عقب الحرب العالمية الثانية، بدا أن الشيوعية مرشحة بقوة لأن تفرض نفسها في المشهد السياسي الأوروبي، ليس فقط في الشرق حيث دخل الجيش الأحمر وفرض الأنظمة الاشتراكية، بل أيضًا في أوروبا الغربية حيث خرجت الأحزاب الشيوعية مرفوعة الرأس، بعد دورها البطولي في المقاومة ضد الاحتلال النازي.
في فرنسا، كان الحزب الشيوعي الفرنسي من أبرز قوى المقاومة، وخرج من الحرب باعتباره القوة السياسية الأولى من حيث التنظيم الشعبي والتمثيل الانتخابي. وفي إيطاليا، أصبح الحزب الشيوعي بقيادة تولاياتي قوة شعبية جارفة، تحظى بقاعدة واسعة في الطبقة العاملة والفلاحين. أما في ألمانيا الغربية، فقد حاول الحزب الشيوعي أن يستعيد عافيته بعد أن تم حظره في عهد النازية، لكنه واجه موجة قمع جديدة تحت ذريعة محاربة التسلل السوفياتي.
كل المؤشرات كانت توحي بأن اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية قد يفرض نفسه شريكاً في الحكم، أو حتى قوة حاكمة، خصوصاً مع تراجع مصداقية البرجوازيات التقليدية بعد تحالفها السابق مع الفاشيات.
لكن هذا المسار قُطع عند جذوره.
فشل الشيوعيين في الوصول إلى السلطة: وقائع متكررة لا يمكن تجاهلها
في فرنسا، ورغم الثقل الشعبي والتنظيمي الهائل للحزب الشيوعي، بقي هذا الأخير خارج الحكم الفعلي. شارك أحياناً في حكومات ائتلافية، لكن دون صلاحيات حقيقية، وغالباً ما كان يُستدعى لدور ديكوري يضبط الشارع دون التأثير في القرار. ومع بداية الحرب الباردة، جرى دفع الحزب نحو التهميش، وتحالف النظام السياسي مع الاشتراكيين المعتدلين لتفادي "الخطر الأحمر".
في ألمانيا الغربية، تم حظر (الحزب الشيوعي بألمانيا) رسمياً سنة 1956، واعتُبر "تهديداً" للدستور والديمقراطية. وحتى حين أُعيد تشكيله لاحقاً تحت اسم جديد (الحزب الشيوعي الألماني)، لم يُسمح له بتجاوز العتبة السياسية، إذ ظل تحت المراقبة الأمنية والتهميش الإعلامي.
أما التجربة الإيطالية، فكانت الأكثر إثارة للانتباه. فـالحزب الشيوعي الإيطالي كان أقوى حزب شيوعي في الغرب، وتقدّم بخطوات حذرة نحو الاندماج في النظام السياسي ضمن صيغة "التسوية التاريخية" التي اقترحها الزعيم الديمقراطي المسيحي (ألدو مورو) لِكسر الحظر الأمريكي غير المعلن على دخول الشيوعيين إلى الحكم. لكن اغتياله سنة 1978 على يد "الألوية الحمراء" -في عملية ما زالت تحوم حولها الشبهات جاء كضربة قاتلة للمسار كله. كثير من المحلّلين اعتبروا أن اغتيال (مورو)* لم يكن مجرد فعلًا معزولا، بل رسالة من النظام العميق الأطلسي بأن دخول الشيوعيين إلى الحكم سيقابل بردّ عنيف، حتى لو جاء عبر صناديق الاقتراع. [[نشير إلى أنه منذ سنوات قليلة تمّ نشر تورّط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في اغتيال ألدو مورو باستخدام الألوية الحمراء. وهو ما يفسّر تمكّن مجموعة صغيرة من المسلّحين الهُوَّاةْ من اختطاف رئيس حكومة في وضح النهار من قلب العاصمة روما، وتمكّنهم من إخفائه لمدة 52 يوما في شقّة وسط المدينة دون نجاح الأجهزة الأمنية الإيطالية في تحريره. ولا جهاز ال CIA الذي كان ولا زال يعرف أيطاليا بيتًا بيتًا. وهو ما يفسّر أيضًا تراخي الحكومة والتضحية برئيسها، وعدم الامتثال للتفاوض مع الخاطفين الذين كان مطلبهم الوحيد الإفراج عن ثلاثة من رفاقهم المُعتقلين مقابل إخلاء سبيل (ألدو مورو). وأُعدِم زعيم المسيحية الديمقراطية ببشاعة، ووُضعت جثته في صندوق سيّارة مركونة بجوار مقرّ الحزب الشيوعي]]..
حتى التجارب الجديدة مثل سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا، اللتين حملتا ملامح يسارية راديكالية بعد أزمة 2008، سرعان ما تمت محاصرتهما من قبل المؤسسات الأوروبية النيوليبرالية. فتجربة سيريزا مثلاً تحولت من رفض الديون إلى تطبيق شروط الترويكا الأوروبية، بعد ابتزاز اقتصادي مباشر. وكذلك الانقلاب المفضوح على نتائج الانتخابات الأخيرة الأخيرة في فرنسا لمنع وصول "فرنسا الأبيّة" (L.F.I) للسلطة، حتى كمجرد شريك في جبهة.
فهل هو فشل ذاتي أم حصار مفروض؟
قد يرى البعض أن فشل اليسار الشيوعي في الحكم مردّه إلى ضعف في استراتيجياته أو عدم قدرته على تقديم بدائل مقنعة في ظل مجتمع استهلاكي معولم. غير أن هذا التفسير وحده غير كافٍ. فالمشهد يثبت أن كل محاولة يسارية جذرية تُقابل بعنف خفي أو ظاهر، اقتصادي أو سياسي أو أمني.
بهذا الخصوص لا يمكن تجاهل البنية الداخلية للدول الغربية، حيث تلعب أجهزة الدولة العميقة -الأمنية والمالية والإعلامية- دوراً حاسماً في ضبط حدود التغيير، وفي منع اليسار الثوري من الوصول إلى مفاصل القرار، مهما كانت قوته الشعبية.
السرّ المسكوت عنه: يالطا لا تزال تحكم أوروبا، يالطا وراء الباب !
حين نعود إلى اتفاق يالطا (1945)، نجد الإجابة التي تفسّر كل هذا المسار التاريخي. فبالرغم من أن الاتفاق لم يُعلن صراحة عن تقسيم أيديولوجي للقارة، إلا أن روح الاتفاق حملت قاعدة غير مكتوبة ولكن صارمة: "الشيوعية للشرق، والرأسمالية للغرب."
يعني غير مسموح -ضمنيًّاً- لأي مشروع شيوعي أن يحكم أوروبا الغربية، ولو عبر الانتخابات. لقد رسمت يالطا حدود النفوذ، وظلّت وراء السّتار تحرس المشهد، وقد رسمت حدود الشرعية السياسية، بما يتجاوز كل حديث عن الديمقراطية والتعددية. وبهذا المعنى، اليسار الشيوعي لم يُهزم فقط في صناديق الاقتراع، بل هُزم في خرائط الجغرافيا السياسية، حيث تبقى نتائج يالطا قائمة، وإن بصيغة مُحدّثة.
(*) مورو = ألدو مورو رئيس الحكومة الإيطالية في عقد السبعينات. موش عبد الفتاح مورو متع النهضة
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |