قراءة في كتاب -مآثر الأعلام من فلسطين أرض السلام-

جهاد حمدان
2026 / 3 / 15

مآثر الأعلام من فلسطين أرض السلام (معجم لمبدعي فلسطين من الجيل الحاضر) كتابٌ مرجعيٌّ جديد من إبداع الزميل أ.د. إبراهيم محمود خليل، صدرت طبعته الأولى في عمّان هذا العام (2026) في 702 صفحة.
1. طبيعة الكتاب
يقع الكتاب في منزلة وسطى تجمع بين الترتيب المعجمي، وتراجم الأعلام، وتاريخ الأدب العربي المعاصر، سلّط فيه المؤلف الضوء على أدباء فلسطين منذ أوائل القرن العشرين (مثل خليل بيدس) وصولاً إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين (مثل أكرم شريم الذي توفي مطلع عام 2026).
2. المنهجية وهيكلية العمل
اعتمد المؤلف منهجية التجميع والتبويب لجهوده النقدية السابقة؛ فالكتاب ليس معجماً أُلف ابتداءً ليكون كذلك، بل هو حصيلة مقالات ودراسات نقدية كُتبت ونُشرت في مناسبات متفرقة وأزمنة متباعدة، إما بمناسبة صدور كتاب، أو رحيل علم من الأعلام، أو في إحياء ذكراه. وقد صرح المؤلف بشفافية علمية في مقدمته بأنه لا يدعي "الاستقصاء الدقيق" أو الحصر الشامل لجميع المبدعين، بل هدف إلى إنقاذ نتاجه النقدي المتناثر من الضياع والاندثار، ليضعه بين يدي الدارسين والباحثين.
3. شمولية التغطية والتنوع الموضوعي
يمتاز الكتاب بسعة أفقه وتغطيته لشتى الأجناس الأدبية والفكرية، ولم يقتصر على جنس دون آخر، حيث شمل في السرد (الرواية والقصة) أعمالاً تأسيسية وتجريبية، مثل قراءته المعمقة لروايات إبراهيم زعرور (مثل "رحلة خير الدين بن زرد العجيبة" و"رعاة الريح")، وقصص إبراهيم العبسي في مجموعتيه "المطر الرمادي" و"الخيار الثالث" مسلطاً الضوء على لغته السردية المتسارعة، وتحليله لمشروع أحمد حرب الروائي (مثل "إسماعيل" و"الصعود إلى المئذنة") مبرزاً مقاربته العميقة لهموم الداخل الفلسطيني وتوظيفه لتقنيات سردية تكسر الطابع النمطي (الكرونولوجي) للنص، والمراجعة الإشكالية لتجنيس عمل إسحق موسى الحسيني "مذكرات دجاجة" وهل هي رواية أم سيرة أم أمثولة رمزية. كما تناول تجربة يوسف ضمرة مسلطاً الضوء على مجموعته "مراوغون قساة" التي تآلفت فيها القصة القصيرة والقصيرة جداً لترصد ببراعة علاقة الكاتب القصصي بشخصياته التي تقسو عليه. وفي الشعر قدم تحليلات لغوية وأسلوبية ونفسية لعدد من الشعراء، مثل قراءته للخيارات الأسلوبية والتكرار عند إبراهيم نصر الله في ديوان "لو أنني كنت مايسترو"، ومحمود درويش متتبعاً تحولات لغته الشعرية وتوظيفه للأسطورة والرمز في التعبير عن جدلية الوطن والمنفى، وتحليل النسيج اللفظي والموسيقى الشعرية عند أحمد دحبور، ورزق أبو زينة موضحاً كيف انزاح بمفهوم الحب من فضائه الرومانسي التقليدي إلى فضاء الثورة والمقاومة، وتجارب شعراء آخرين كأحمد أبو سليم مبيناً أبعاد الاغتراب والبحث عن الهوية في نصوصه، وأحمد أبو عرقوب مستجلياً تجربة الرفض والالتزام في ديوانه "توقيعات على قيثارة الرفض". كما توقف عند الشاعر خالد أبو خالد الذي ارتبط شعره بالأرض والمقاومة وارتحل من منفى إلى آخر مستخدماً مفردات الثقافة الشعبية لتمتين التواصل مع جمهوره، والشاعر علي فودة الذي اتخذ في بواكيره من القصيدة بندقية نضال، وتغنى بهويته الفلسطينية مصوراً معاناة المهمشين في قصائد ذات لغة تقترب من الحديث اليومي البسيط، وتناول الشاعر نضال برقان متتبعاً تحولاته الفنية في ديوانه "تحت سماء واحدة" وإقلاعه عن قصيدة الوزن والتفعيلة للتحرر كلياً نحو قصيدة النثر. أما في النقد والفكر واللغة، فلم يُغفل الكتاب دور النقاد واللغويين، فخصص مساحات لجهود إبراهيم السعافين في النقد، وريادة إحسان عباس النقدية وتتبعه لأصول القصيدة الحديثة والصورة الشعرية، إلى جانب اللغويين كداود عبده وهمومه بقضايا اللغة العربية المعاصرة والأداء اللفظي في الإعلام، والمترجمين كألبيرت بطرس وجهوده في ترجمة تشوسر. وفي أدب السيرة، أفرد الدكتور إبراهيم خليل قراءة متبصرة لسيرة المفكر إدوارد سعيد "خارج المكان"، محللاً الجدلية بين المكان والزمان في تشكيل هويته وتنقله بين القدس والقاهرة والولايات المتحدة.
كما يُحسب للكتاب شموليته الجغرافية، إذ شمل عددا كبيرا من أدباء من الداخل الفلسطيني وأدباء الشتات والمنافي، مؤكداً وحدة الهوية الثقافية الفلسطينية عبر الجغرافيا.
4. القيمة النقدية والتحليلية (مكامن القوة)
لا يكتفي الكتاب بالتعريف البيوغرافي المعتاد في المعاجم، بل يقدم نقداً تطبيقياً متماسكاً، يبرز في عدة مسارات:
التحليل التقني والأسلوبي: يغوص المؤلف في البنى السردية للروايات والقصص، كما فعل في تتبع أسلوب "الحساسية الجديدة" في النقد القصصي عند أحمد الخطيب، وكيفية توظيف "المونولوج الداخلي" وتيار الوعي وكسر السياق الزمني.
تفكيك البنية الرمزية: يعمد إلى تأويل الرموز في النصوص، كما في تحليله لقصة "مذكرات دجاجة" وكيف وظّف الحسيني حكايات الحيوان للتعبير عن الواقع والمُثُل العليا بطريقة غير مباشرة هرباً من رقابة الانتداب.
إعادة الاعتبار لأقلام مَنسيّة: يلتفت الكتاب إلى مبدعين ربما غُيبوا عن واجهة النقد الحديث، مثل الشاعر أحمد أبو عرقوب الذي وصفه بأنه "شاعر تجاهله النقد"، والقاص أكرم شريم، مما يجعل الكتاب عملية تنقيب جادة في الذاكرة الأدبية.
5. ملاحظات علميّة (للطبعة الثانية)
رغم القيمة الموسوعية والمجهود الضخم المبذول في الكتاب، يمكن للمراجع العلمي إبداء الملاحظات الآتية:
• تباين الطرح المنهجي والعمق التحليلي: نظراً لأن مادة الكتاب جُمعت من مقالات ودراسات سابقة كُتبت لغايات متباينة ولأهداف نشر مختلفة، يلحظ القارئ تفاوتاً في العمق التحليلي بين فصل وآخر؛ فبعض الفصول تميل إلى المراجعة التوثيقية أو العرض الصحفي الثقافي، في حين تغوص فصول أخرى في تلافيف النقد الأكاديمي الصارم.
• بنية التجنيس (بين المعجم والدراسة): توحي التسمية الفرعية (معجم لمبدعي فلسطين) بمعمارية معجمية دقيقة وموحدة (كالمداخل الموحدة للبيانات الشخصية والإصدارات لكل عَلَم)، إلا أنّ الكتاب في حقيقته أقرب إلى "أنثولوجيا نقدية" أو دراسات تطبيقية لنصوص محددة أكثر من كونه معجماً بيوغرافياً كلاسيكياً.
• غلبة السرد الاستطرادي: في بعض القراءات السردية، يميل المؤلف إلى الاسترسال في سرد تفاصيل حبكة الروايات أو تلخيص الأحداث بطريقة قد تستحوذ أحياناً على المساحة التي كان يمكن توظيفها في استنباط الرؤى النقدية أو التفكيك البنيوي الأعمق.
6. الخاتمة
يُعد كتاب "مآثر الأعلام من فلسطين أرض السلام" سِفراً مهماً ووثيقة نقدية وتأريخية لا غنى عنها في خزانة الأدب العربي. وهو يمثل إضافة نوعية، ليس لكونه يوثق أسماء مبدعي فلسطين فحسب، بل لأنه يضع بين يدي القارئ "ذاكرة نقدية تطبيقية" متراكمة، تسبر أغوار الإبداع الفلسطيني والعربي خلال أكثر من قرن من الزمان.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر