علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية في الفكر الشرقي وأزمة المعنى المعاصرة

غالب المسعودي
2026 / 3 / 14

الجمال كقوة مقدسة ومخيفة
تضرب جذور العلاقة بين الإنسان والجمال في أعماق التجربة البشرية الأولى؛ إذ لم يكن الجمال يوماً مجرد قيمة حيادية أو زينة عابرة، بل كان جزءاً أصيلاً من كيان الوجود. في المجتمعات البدائية، خضعت العلاقة مع كل ما هو خارق للطبيعة ،بما في ذلك الجمال الفائق، لنظام صارم من "المحرمات" (التابو). هذا النظام لم يكن مجرد قوانين زجرية، بل كان يمثل آلية نفسية واجتماعية نابعة من رهبة الإنسان أمام ما لا يستطيع استيعابه أو إخضاعه لسلطته. لقد ولد الجمال في وعي الإنسان الأول مقترناً بالهيبة، حيث المجهول يفرض احترامه من خلال الخوف.

رؤية علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)
تشير الدراسات في علم الإنسان، ولا سيما أعمال "ماري دوغلاس" في كتابها "الطهارة والخطر"، إلى أن المنظومات الاعتقادية الأولى استلهمت وجودها من الرهبة، وربطت بشكل وثيق بين المقدسات ومفاهيم الدنس والنظافة. في هذا السياق، يصبح الجمال الذي يتجاوز المألوف نوعاً من "الفوضى المقدسة" التي قد تهدد استقرار النظام الاجتماعي. لذا، كان لا بد من إحاطته بنظم من الفصل والتنقية لضمان عدم حدوث "عدوى" من هذه القوة الجمالية أو الروحية. إن وظيفة المحرم هنا هي "حصر الخطر"، مما يجعل التجربة الإنسانية العشوائية قابلة للسيطرة من خلال المؤسسات الاجتماعية والقبلية.

المقاربة النفسية والتحدي المعرفي
يربط "سيجموند فرويد" في أطروحاته حول "الرمز والمحرم" بين العقل البدائي والنزعات النفسية الحديثة، معتبراً أن المحرمات هي قوانين وضعت لأن البشر لديهم رغبات دفينة في انتهاكها. الجمال هنا، الممثل في "الرمز المقدس"، يصبح محطاً للإسقاطات النفسية؛ فهو المرغوب بشدة والمخيف بشدة في آن واحد. هذه الازدواجية تجعل من الجمال قوة "فتانة" قادرة على زعزعة استقرار الفرد، وهو ما يفسر القيود الصارمة التي فرضتها المجتمعات القديمة على كل ما هو استثنائي.
من جانب آخر، يقدم "فرانز بواس" في كتابه "عقل الإنسان البدائي" رؤية مغايرة ترفض اعتبار العقل القديم أدنى مرتبة من العقل الحديث. يؤكد بواس أن "الخوف من الجمال" لم يكن جهلاً، بل كان نظاماً معرفياً معقداً يسعى لترتيب العالم وتأمين بقاء الجماعة في بيئات قاسية. وعلى الرغم من ندرة الاهتمام "النظري المحض" بالطبيعة عند الإنسان الأول، كما يشير "برونيسلاف مالينوفسكي"، إلا أن الأسطورة والجمال المرتبط بها كانا يؤديان وظيفة ثقافية حيوية؛ فالجمال كان "جمالاً وظيفياً" مرتبطاً بالطقس والمنفعة الروحية.

لماذا تحارب المنظومات الفكرية المتطرفة حرية الفن؟
هنا نصل إلى سؤال جوهري: لماذا تضيق الحركات المتطرفة ذرعاً بالفن والجمال؟ إن الإجابة تكمن في أن الفن، بطبيعته، هو فعل "تحرر وتفرد"، بينما تقوم المنظومات المتطرفة على "النمذجة والسيطرة".
يدعي الفكر المتطرف امتلاك الحقيقة المطلقة والوحيدة، بينما يقدم الفن تأويلات متعددة للواقع. الفنان يرى في القبح إمكانية للتغيير، وفي الجمال أفقاً للحرية، وهذا التعدد يفكك وحدة الخطاب المتطرف "الشمولي".
الخوف من الجمال هو في جوهره خوف من "المخيلة". الإنسان الذي يتذوق الجمال يمتلك القدرة على الحلم بعوالم بديلة، وهو ما يجعله عصياً على التدجين الأيديولوجي.

تفكيك ثنائية "المقدس والدنس": تعيد الحركات المتطرفة إحياء "المحرم البدائي" بصورته الخام، حيث يُنظر إلى الفن (تصويراً، أو نحتاً، أو موسيقى) بوصفه "فتنة" تخرج الإنسان عن السيطرة المركزية للمنظومة. إنهم يخشون "الأثر الحسي" للفن لأنه يخاطب الوجدان مباشرة، متجاوزاً القوالب التلقينية الجاهزة.
عندما يفرض المتطرفون "قبحاً قسرياً" على المجتمع (عبر تدمير الآثار، أو فرض زي موحد باهت، أو تحريم الموسيقى)، فإنهم يهدفون إلى تحطيم الروح المعنوية للفرد، وجعله يشعر بضآلته أمام سطوة المنظومة. لذا، يصبح التمسك بالجمال في هذه المجتمعات فعلاً من أفعال المقاومة الوجودية.

الفروق الفلسفية بين الجماليات الشرقية والغربية
تتجلى هذه الفروق في كيفية التعامل مع الواقع والمثالية؛ فبينما يركز الغرب غالباً على العقلانية والمنطق المادي، يميل الشرق نحو التناغم والجوهر الروحي. هذا التوجه نحو "الغيب" والمعنى الباطني جعل من الجمال في الفكر الشرقي حصناً ضد العدمية. كان الجمال يُفهم بوصفه "إحساناً"، أي تجسيداً للحكمة الإلهية في عالم الشهادة.

الأثر النفسي والحيوي للقبح الحضري
تتجاوز المشكلة مجرد "الانزعاج البصري" لتصل إلى تغييرات في كيمياء الدماغ والسلوك الاجتماعي. يربط المفكر "فؤاد زكريا" بين "أزمة العقل" والتدهور الجمالي، معتبراً أن المجتمعات التي تفتقر إلى الحرية تميل إلى إخفاء واقعها القبيح خلف "مظاهر شكلية" زائفة. هذا "النفاق الجمالي" يساهم في فقدان العالم لمعناه، حيث يصبح الجمال مجرد "قشرة" خارجية لا تعبر عن جوهر حقيقي، مما يؤدي إلى حالة من الاغتراب النفسي الجماعي.

الوجودية والجمال: خلق المعنى في مواجهة العبث
في المقابل، تطرح الفلسفة الوجودية تساؤلات حادة. يرى "فريدريك نيتشه" أن الجمال ليس صفة موضوعية، بل هو "خلق إنساني"، فالإنسان هو من يسبغ الجمال على العالم ثم ينسى فعله هذا. ومع ذلك، يرى وجوديون آخرون مثل "سارتر" و"ميرلو بونتي" أن الفن هو وسيلة لـ "كشف" العالم. الفنان يفرض وحدة العقل على تنوع الأشياء، مما يمنح الإنسان شعوراً بأنه "جوهري" في علاقته بالكون. الجمال هنا هو الحصن الأخير ضد "العبث"؛ فالعالم قد لا يكون له معنى ذاتي، لكن فعل الجمال يخلق هذا المعنى.

جمالية القبح والتمرد الفني
أدى الشعور بالخيبة في العصر الحديث إلى ظهور "جمالية القبح". لم يعد الهدف تمثيل "الجميل" التقليدي، بل استخدام التشويه لنقد الواقع السياسي والاجتماعي. حركات مثل "الدادائية" كانت صرخة ضد العقلانية الزائفة التي أدت للحروب. وفي السياق العربي المعاصر، استخدمت الرواية "جمالية التخييل" لتصوير الألم. إن تصوير القبح يصبح فعلاً جمالياً إذا كان يهدف إلى استعادة إنسانية الإنسان في وجه القهر، لكن الاستغراق فيه دون أفق أخلاقي قد يؤدي إلى "عدمية شاملة".

الجمال كضرورة حضارية
إن استعادة المعنى، خاصة في منطقتنا العربية، تتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم "الإحسان" كقوة حيوية وإبداعية، وتجاوز "الخوف القديم" الذي تحول إلى قيود اجتماعية هامدة. الجمال ليس ترفاً، بل هو عنصر جوهري تكتمل به مقومات الإنسانية. إن الانتقال من "رهبة الجمال" (كمحرم) إلى "محبة الجمال" (كفضيلة وحرية) هو المسار الحضاري الوحيد الذي يحمينا من السقوط في العدمية الشاملة، ويمنح العالم معناه المتجدد.
-------------------------------
مراجع مقترحة
ماري دوغلاس: "الطهارة والخطر" (تحليل المفاهيم البدائية للدنس والنظام).
سيجموند فرويد: "توتيم وتابو" (الجوانب النفسية للمحرمات).
فؤاد زكريا: "آفاق الفلسفة" أو "خطاب إلى العقل العربي".
فريدريك نيتشه: "إرادة القوة" (حول خلق القيم والجمال).
ميرلو بونتي: "العين والعقل" (فلسفة الإدراك والفن).

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر