|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 3 / 14
رواية من تأليف الروائي البريطاني من أصول يابانية، كازو إيشيغورو، نُشرت عام ١٩٨٩. تُروى القصة بضمير المتكلم على لسان البطل السيد ستيفنس، كبير الخدم الإنجليزي الذي كرّس حياته لخدمة اللورد دارلينغتون في قصر دارلينغتون. تتكشف الأحداث من خلال ذكريات ستيفنس على مدى ستة أيام خلال رحلة بالسيارة قام بها عام ١٩٥٦، الامر الذي دفعه للتأمل في حياته الماضية وخدمته خلال فترة ما بين الحربين العالميتين.
أثناء رحلته، يتأمل ستيفنس في معنى عمله ومفهوم "الكرامة"، الذي يعتبره جوهريًا لهويته ككبير للخدم. فيتذكر الأحداث المهمة التي شهدها قصر دارلينغتون، بما في ذلك الشؤون الدولية والتجمعات السياسية والاجتماعية التي استضافها اللورد دارلينغتون، الذي فقد مصداقيته لاحقًا بسبب تعاطفه مع النظام النازي. كما يتأمل ستيفنس في علاقته بالآنسة كينتون، مدبرة المنزل السابقة في قصر دارلينغتون، والتي ألهمته رسائلها القيام بهذه الرحلة. وكشف علاقتهما العميقة غير المعلنة ووجود الحب الضائع، الذي ضاع بسبب تفاني ستيفنس الشديد في واجباته المهنية.
تستكشف الرواية مواضيع الواجب والتغير الاجتماعي، بينما يصارع البطل ذكرياته والخيارات التي اتخذها، أو التي لم يتخذها، لا سيما فيما يتعلق بتصرفات اللورد دارلينغتون الخاطئة ومشاعر الآنسة كينتون المكبوتة تجاهه.
رواية "بقايا اليوم" هي استكشاف عميق للحالة الإنسانية، تغوص في تعقيدات الذاكرة والكرامة وعواقب الحياة التي تكرس لخدمة الآخرين فقط.
يجسد أسلوب إيشيغورو السردي الدقيق والمتشعب صوت ستيفنس بدقة، مما يسمح للقراء بالتفاعل مع عالمه الداخلي.
أحد المحاور الرئيسية للرواية هو مفهوم الكرامة، كما يُعرّفه ستيفنس من خلال شريط الاحداث ذات الصلة بمهنته. فالتزامه الراسخ بهذا المبدأ هو مصدر قوته وسبب سقوطه في آن واحد.
تتناول الرواية بنظرة نقدية فكرة الخدمة والولاء، متسائلةً عن قيمة هاتين الفضيلتين حين يتم تسخيرهما لقضية لا تستحقهما، كما هو الحال مع سياسات اللورد دارلينغتون المضللة.
كما يتطرق الكاتب إلى موضوع الكبت، بنوعيه العاطفي والسياسي. فإنكار ستيفنس لمشاعره تجاه الآنسة كينتون ورفضه مواجهة التداعيات الأخلاقية لأفعال اللورد دارلينغتون ما هما إلا شكلان متوازيان من أشكال التهرب.
تشير الرواية إلى الترابط بين النزاهة الشخصية والنزاهة السياسية، وأن الفشل في الاعتراف بالحقيقة في أحدهما قد يؤدي إلى الفشل في الاخرى.
يُجسِّد البناء السردي، الذي يتنقل ذهابًا وإيابًا عبر ذكريات ستيفنس، ببراعة قصور الذاكرة وانتقائية عملية التذكر. وسرد ستيفنس غير الموثوق يدعو القراء إلى التأمل بين السطور ومن ثم التساؤل عن مدى صدق مشاعره، مما يدفعهم إلى التفاعل مع النص بعمق.
تُعدّ رواية "بقايا اليوم" تعليقًا على التحولات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا، من هياكل الطبقات الجامدة في ثلاثينيات القرن العشرين إلى مجتمع ما بعد الحرب الذي يتصف ببعض التسامح والمرونة. ويمكن اعتبار رحلة ستيفنس استعارةً لانتقال البلاد برمتها، إذ يواجه المُثُل البالية التي تمسك بها، ويتأمل في إمكانية عيش حياة مختلفة عن حياته السابقة.
وختامًا، تُعتبر رواية "بقايا اليوم" لكازو إيشيغورو عملًا أدبيًا بارعًا، يُقدّم دراسةً مؤثرةً وعميقةً لفرص الحياة الضائعة وطبيعة الندم، إذ تكمن قوة الرواية في قدرتها على استحضار التعاطف والتأمل، مما يجعلها دراسةً آسرةً للشخصيات ونقدًا دقيقًا للسياقات التاريخية والاجتماعية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |