حين تلهينا حروب الشرق الأوسط عن أسئلة الكرامة والثروة في المغرب

فريد بوكاس
2026 / 3 / 12

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

ينشغل العالم اليوم بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط وبالتصعيد العسكري المرتبط بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. ومن حيث المبدأ، لا يمكن لأي إنسان يؤمن بقيم الإنسانية أن يقبل بالحروب أو بقتل الأبرياء تحت أي ذريعة كانت، سواء كانت دينية أو عرقية أو إيديولوجية. فمآسي الحروب لا تفرق بين الشعوب، وضحاياها غالباً ما يكونون من المدنيين الذين لا علاقة لهم بالصراعات السياسية أو العسكرية.

لكن، وبعيداً عن المواقف المبدئية من الحروب، يطرح البعض سؤالاً آخر يتعلق بكيفية تعامل الشعوب مع هذه الأحداث، خاصة الشعوب التي لا تنتمي جغرافياً إلى منطقة الشرق الأوسط، مثل الشعوب المغاربية.

من حرب إلى أخرى: تحوّل اهتمام العالم

قبل سنوات قليلة فقط، كان العالم منشغلاً بشكل كبير بالحرب الروسية الأوكرانية. فقد تصدرت تلك الحرب نشرات الأخبار العالمية، واحتلت مساحة واسعة في النقاشات السياسية والإعلامية. كانت القنوات العالمية ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تتابع تفاصيلها يوماً بيوم، وكأنها القضية المركزية في العالم.

لكن اليوم، يبدو أن هذا الاهتمام قد تراجع بشكل ملحوظ، بعد أن تحولت كاميرات الإعلام واهتماماته نحو الشرق الأوسط وما يحدث فيه من توترات وصراعات. هذا التحول السريع في بوصلة الإعلام العالمي يدفع البعض إلى التساؤل: هل الاهتمام الإعلامي بالأحداث مرتبط فعلاً بحجم المأساة الإنسانية، أم أنه يتغير وفق حسابات سياسية واستراتيجية؟

خلفيات الصراع كما يراها البعض

يرى بعض المحللين والمهتمين بالشأن السياسي أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم يكن ليحدث دون وجود تفاهمات غير معلنة مع بعض الأنظمة العربية التي تربطها اتفاقيات أمن مشترك مع الولايات المتحدة.

ومن هذا المنظور، يطرح البعض تفسيراً مفاده أن الصواريخ أو الطائرات المسيرة التي ترسلها إيران نحو دول مثل قطر أو الكويت أو السعودية أو العراق مرتبطة بوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضي هذه الدول، حيث تنطلق منها عمليات عسكرية و ترتبط بها ترتيبات دفاعية مع واشنطن.

لكن هذا التحليل يفتح باباً لسؤال أوسع: لماذا توجد كل هذه القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط أصلاً؟
هل الهدف منها حماية الأنظمة الحاكمة من تهديدات خارجية؟ أم أن وجودها مرتبط بحسابات جيوسياسية واقتصادية تتعلق بمصالح القوى الكبرى في المنطقة؟


موقع المغرب في هذا النقاش

وسط كل هذه الأحداث، يطرح بعض المغاربة سؤالاً بسيطاً لكنه عميق الدلالة: لماذا نهتم نحن إلى هذا الحد بما يجري في الشرق الأوسط؟

هل المغرب جزء من هذا الصراع جغرافياً أو سياسياً؟ أم أن العاطفة هي التي تتحكم في ردود فعلنا تجاه ما يحدث هناك؟

فالتعاطف الإنساني مع ضحايا الحروب أمر طبيعي ومفهوم، لكن في المقابل يرى البعض أن هذه العاطفة نفسها يمكن أن تتحول إلى طاقة إيجابية إذا تم توجيهها نحو قضايا الداخل.

استثمار المشاعر في القضايا المحلية

إذا كانت الحروب التي تقع خارج حدودنا تثير فينا هذا القدر من الغضب أو التعاطف، فلماذا لا يتم توجيه هذه المشاعر نحو قضايا تمس المجتمع المغربي بشكل مباشر؟

يتساءل البعض مثلاً عن أوضاع المعتقلين السياسيين أو معتقلي الرأي داخل المغرب، وعن عدد النساء أو الشباب الذين يقضون فترات في السجون بسبب قضايا يعتبرها بعض النشطاء مرتبطة بحرية التعبير أو الاحتجاج السياسي.

كما يطرح آخرون تساؤلات حول التضامن مع هؤلاء المعتقلين، متسائلين عما إذا كان هذا التضامن يقتصر في كثير من الأحيان على منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي، وغالباً ما يتم نشرها بأسماء مستعارة خوفاً من المتابعة أو الاعتقال.

أين ذهبت الحركات الاحتجاجية؟

في هذا السياق، يتساءل بعض المتابعين عن مصير الحركات الاحتجاجية التي ظهرت في المغرب خلال العقد الماضي، مثل حركة 20 فبراير أو الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها مناطق مثل الريف وجرادة وغيرها.
أين ذهب شباب تلك الحركات اليوم؟
وأين ذهبت الأصوات التي كانت تطالب بالإصلاح السياسي والاجتماعي وبالعدالة والكرامة؟


هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة أن تلك المطالب اختفت، لكنها تعكس شعوراً لدى بعض المواطنين بأن الزخم الشعبي الذي كان حاضراً في تلك الفترة لم يعد بنفس القوة في الوقت الحالي.

الاقتصاد وأسئلة الثروة

من بين القضايا التي يثيرها النقاش العام أيضاً مسألة الاقتصاد وتوزيع الثروة. فالبعض يتساءل: لماذا تبدو أسعار بعض المواد الغذائية المنتجة محلياً في المغرب مرتفعة مقارنة بأسعارها في بعض الدول الأوروبية، رغم أنها منتجات مغربية في الأصل؟

كما يطرح آخرون أسئلة حول الموارد الطبيعية التي يزخر بها المغرب، مثل الذهب والفضة والحديد والزنك والفوسفات وغيرها من الثروات المعدنية.

وفي هذا السياق، يتداول بعض المتابعين في النقاشات العامة تساؤلات حول مصير هذه الثروات وكيفية إدارتها، كما يربط بعضهم ذلك بملفات قضائية وقضايا مثيرة للجدل تم تداولها إعلامياً في فترات سابقة، من بينها قضايا ارتبطت بأسماء مثل الحاج بن إبراهيم، ورئيس جهة الشرق عبد النبي بعوي، وكذلك سعيد الناصيري رئيس نادي الوداد البيضاوي.

وقد قُدمت هذه الملفات في الإعلام في إطار قضايا مرتبطة بتهريب المخدرات، غير أن بعض الأصوات في النقاش العام تطرح تساؤلات أخرى حول طبيعة هذه القضايا، حيث يتم تداول روايات مختلفة تقول إن هناك جوانب أخرى قد تكون مرتبطة بتهريب مواد حساسة مثل الزئبق الخالص. وتبقى مثل هذه الطروحات جزءاً من النقاشات والآراء المتداولة التي يطالب أصحابها بمزيد من الشفافية والكشف عن كل الحقائق المرتبطة بهذه الملفات.

بين الانتظار والبحث عن التغيير

في نهاية المطاف، يعكس هذا النوع من النقاشات حالة من التساؤل التي يعيشها جزء من الرأي العام المغربي حول العلاقة بين الاهتمام بالقضايا الدولية وبين معالجة القضايا الداخلية.

فالتضامن مع الشعوب التي تعاني من الحروب يبقى قيمة إنسانية مهمة، لكن البعض يرى أن بناء مجتمع قوي يبدأ أيضاً من معالجة قضاياه الداخلية، ومن تعزيز الوعي السياسي والاجتماعي لدى المواطنين.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون:
إلى متى سنظل منشغلين بأحداث تقع بعيداً عنا، بينما تبقى أسئلة الداخل تنتظر الإجابات؟

ربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو تحقيق التوازن بين التضامن مع قضايا العالم، وبين العمل على استرجاع كرامة المواطن وتعزيز الشفافية في إدارة ثروات البلاد، حتى يشعر المواطن بأن بلده يسير في اتجاه يضمن له الكرامة والعدالة والمشاركة في صناعة مستقبله.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي