|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 3 / 10
لم تكن "الهدنة" التي أُبرمت أواخر العام 2024 بوساطة أمريكية وفرنسية سوى خديعة استراتيجية، و"سلاماً استعمارياً" مفخخاً هدف إلى تكبيل المقاومة سياسياً بعد أنْ عجزت آلة الحرب الصهيونية عن سحقها عسكرياً. على الأرض، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية يوماً؛ بل استمرت الاغتيالات الممنهجة، وتواصل القصف ومسلسل التهجير الزاحف لفرض شريط أمني بقوة النار.
أمام هذا الانتهاك الفاضح للسيادة، وإجبار قوات حزب الله على التراجع التكتيكي إلى شمال الليطاني، وجدت حركة التحرر الوطني اللبنانية نفسها أمام لحظة مصيرية: إما الموت البطيء تحت مقصلة التسويات، أو استئناف المواجهة الجوهرية لكسر الهيمنة.
لم يأتِ قرار حزب الله بالعودة إلى القتال من فراغ، بل وُلد من رحم ضغوط متناقضة واصطفافات سياسية كشفت الوجه الحقيقي للنظام الطائفي والطبقي اللبناني:
ضغط القاعدة الكادحة وسلطة "الكومبرادور": رفضت القاعدة الشعبية للمقاومة التي دفعت ضريبة الدم والتهجيرمعادلة "تلقي الضربات بصمت". في المقابل، استغلت حكومة نواف سلام اليمينية، الممثلة لمصالح البرجوازية الكومبرادورية المرتبطة بأكبرمراكز الرأسمال الغربي، تراجع الحزب لتمرير أجندة الإمبريالية تحت شعار "حصر السلاح". وتقاطع هذا مع مساعي رئيس الجمهورية جوزيف عون، القادم من المؤسسة العسكرية، للاستجابة للشروط الغربية كضمانة لاستمرار الدعم المالي والعسكري للدولة. كما تلاقى مع انتهازية التيار الوطني الحر وانقضاض اليمين الذي لم يفك ارتباطه يوما مع دولة الكيان. فسارعت القوى اليمينية (القوات اللبنانية والكتائب) لاستغلال الأزمة لشن هجوم منسق يطالب بتجريد الحزب من سلاحه، أملاً في استعادة هيمنتها. وفي السياق ذاته، مارس التيار الوطني الحر بقيادة جبران باسيل براغماتية انتهازية، فابتعد عن تحالفه التاريخي مع حزب الله، ساعياً لإعادة التموضع وحصد مكاسب في النظام السياسي الجديد، مما عمّق العزلة السياسية الرسمية للمقاومة.
ولكن تحالف أمل وحزب الله (وحدة خندق المحرومين) الذي صمد أمام اختبارات عديدة حافظ على حدّ معقول من تماسكه في مواجهة هذا العزل، وتجلى كاصطفاف تاريخي ووجودي للطبقات العاملة والفلاحين في إطار بيئته الحاضنة. وتكامل الجهد العسكري للحزب مع الجدار السياسي الذي قاده نبيه بري، لصد محاولات الاستفراد بالمقاومة ولحماية ظهرها الاجتماعي وسط مناخ سياسي معقد.
وتحت النار تمسكت المقاومة بسرديتها، وأبدت تصميمها على كسر الاحتكار الصهيوني للأمن. ورد حزب الله بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، رافضا الانتحار الاختياري، ومؤكداً أنّ "نزع السلاح مطلب إسرائيلي بحت" وخطيئة كبرى في ظل دولة عاجزة. وترجم الحزب هذا الموقف ميدانياً بكسر الاحتكار الصهيوني للأمن.
ملحمة النبي شيت: شكلت هذه المعركة في البقاع نقطة تحول، حيث التحم عناصر قوة الرضوان مع أهالي المنطقة لاصطياد قوة كوماندوز إسرائيلية تسللت تحت جنح الظلام للبحث عن جثة آرون آراد، الطيار الصهيوني الذي أُسقطت طائرته قبل عقود وفُقد في لبنان، مما أسقط هيبة قوات النخبة الصهيونية وأثبت صلابة الجبهة الخلفية.
لم يكتفِ الحزب بالدفاع، بل وسّع دائرة النار ليدك بصواريخه الباليستية ومسيراته لضرب العمق الاستراتيجي مركزا على قواعد الاستخبارات في محيط تل أبيب، والمنشآت الصناعية في حيفا والمستوطنات الشمالية، في رسالة حاسمة بأنّ المركز الرأسمالي للكيان سيشرب من الكأس نفسه، كما عاد لقصف المستوطنات الحدودية مطالبا سكانها بإخلاء مساكنهم.
إنّ التداعيات الداخلية لعودة القتال تجسدت في أزمة كشفت العوار البنيوي للنظام اللبناني. لقد استخدم العدو التهجير كسلاح دمار شامل لكيّ الوعي وتفجير التناقضات اللبنانية. إن تهجير الكتلة الصلبة البالغة أكثر من 600 ألف مواطن من الضاحية الجنوبية وحدها (خزان الطبقة العاملة والفقراء)، ليقارب العدد الإجمالي من كافة المناطق 1.2 مليون مهجر، هو حرب طبقية وديموغرافية بامتياز.
وفي خضم هذه المأساة، تجلى التقصير المتعمد والتواطؤ البنيوي لحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية الذي أعاد معزوفة نزع سلاح حزب الله حتى لو أدّى ذلك إلى صدام عسكري بين الجيش والحزب، مخاطرا بجر البلاد إلى أتون الحرب الأهلية.
لقد تخلت الدولة عن سيادتها الاجتماعية، وتعاملت الحكومة مع مئات الآلاف من الكادحين المهجرين بعقلية النيوليبرالية المتوحشة؛ فلم توفر ميزانيات طوارئ، ولم تصادر الممتلكات الشاغرة لإيوائهم، بل تركتهم، بين أمور أخرى، فريسة لارتفاع الإيجارات الجنوني وجشع سوق العقارات.
واستمرالارتهان للمال السياسي الغربي، وأحالت الدولة مسؤولياتها إلى المنظمات غير الحكومية (NGOs) والوكالات الغربية، التي سعت لاستغلال المساعدات كأداة ضغط سياسي لابتزاز البيئة الحاضنة بلقمة عيشها، في محاولة لفك ارتباط الجماهير بخيار المقاومة.
وأمام تقاعس قيادة الدولة اليمينية، لم تستسلم الجماهير، بل برزت اللجان الشعبية والمبادرات الأهلية كبديل ثوري وحالة متقدمة من التضامن الطبقي (الفقراء يدعمون الفقراء). ففي بيروت، الجبل، والشمال، قاد نقابيون، طلبة، وناشطون يساريون ووطنيون حركة إدارة ذاتية مبهرة:
اقتحام الفراغ الحكومي: تم فتح المدارس والمراكز العامة وتحويلها إلى مراكز إيواء تدار بلجان ديمقراطية من داخل النازحين أنفسهم.
الاكتفاء الذاتي المباشر: أُسست مطابخ ميدانية جماعية لكسر الاحتكار الغذائي، وأُنشئت مستوصفات شعبية تطوع فيها أطباء وممرضون لتقديم الرعاية المجانية.
لم يكن هذا العمل الميداني الجبار مجرد "إغاثة خيرية"، بل كان فعلاً مقاوماً أفشل رهان العدو واليمين الداخلي على انهيار الجبهة الداخلية وتصادم النازحين مع المجتمعات المضيفة.
استشراف المستقبل: التنسيق مع إيران والمواجهة الواعية
في سياق التحليل الاستراتيجي، فإن قرار حزب الله العودة للمواجهة المفتوحة لم يكن انفرادياً، والدلائل تشير إلى أنه جاء بتنسيق عضوي مع طهران ضمن معركة المحور. فهل رهن الحزب مستقبله بنتائج هذه الحرب؟ الإجابة المنطقية هي نعم، وبكل وعي. فهذا الارتباط ليس "مقامرة" عبثية، بل هو استشراف استراتيجي عميق مبني على ثلاث ركائز:
إيران لن تخضع: تدرك قيادة الحزب أنّ طهران، بوزنها الجيوسياسي والعسكري، لن تنكسر أمام التحالف الأمريكي-الصهيوني، وأنّ المعركة الحالية هي صراع إرادات لفرض توازن قوى إقليمي جديد.
استحالة العودة للوراء: استشرف الحزب أنّ الشرق الأوسط ما قبل العدوان قد انتهى. أي قبول بوقف إطلاق نار بشروط إسرائيلية-أمريكية لا يعني السلام، بل يعني الاستعباد السياسي والتصفية البطيئة لقوى التحرر.
صياغة النظام الإقليمي: المعركة اليوم تتجاوز جنوب لبنان لتشمل شكل النظام الإقليمي بأكمله. الانخراط في هذه المواجهة القاسية هو الضمانة الوحيدة لكي يكون للبنان وقواه الكادحة دور في صياغة مستقبل المنطقة.
لبنان والمنطقة اليوم أمام حرب استنزاف طويلة تعيد تشكيل الخرائط السياسية والطبقية. لكنّ صمود الميدان العسكري، المسنود بصلابة "اللجان الشعبية" والتضامن الطبقي في مواجهة تخاذل الدولة، يبقى حجر الزاوية لإفشال مشروع الإبادة، وفتح الأفق نحو تحرر وطني واجتماعي حقيقي.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |