رسالة الى القائد كاك مسعود بارزاني

احمد موكرياني
2026 / 3 / 9

أستميحكم عذرًا إن تجرأتُ على تقديم بعض النصائح إليكم، آملًا أن تتقبلوها بصدرٍ رحب، وأن تسامحوني إن أخطأت.

نصيحتي الأولى لك ألا تثق بالترك ولا بالفرس ولا بالعرب ولا بالأمريكيين ولا بالروس، فلنا تجارب مريرة معهم حيث تخلوا عن الشعب الكردي وخانوا ثقتهم بهم.
فالشعب الكردي يميل بطبيعته إلى حسن الظن بالآخرين، لما يتصف به من أخلاق رفيعة وطبيعة أصيلة كطبيعة رجال الجبال الأشدّاء المقاومين، لقد جعلتهم الحياة في الجبال القاسية والشتاء الثلجي الطويل أكثر تماسكًا وتعاونًا، يثق بعضهم ببعض ويتكافلون فيما بينهم.
1. خدع مصطفى كمال الشعب الكردي حيث دعى النائب الكردي عن ولاية ديرسم حسن خيري إلى ارتداء ملابسه الكردية والذهاب إلى البرلمان التركي معاً، حتى يظهروا للصحفيين والوفود الأجنبية بأن الحكومة التركية اعترفت بالقومية الكردية واللغة والثقافة. ثم طلب أتاتورك من حسن خيري إرسال برقية مماثلة إلى لوزان. وقام حسن خيري بإرسال هذه البرقية، وبموجبها وقعت السلطات الأوروبية على اتفاقية لوزان، وبهذا قُضي على حلم دولة كردستان.
• أي ان دولة تركيا الأتاتوركية العنصرية الأحادية تأسست بخداع الكرد والمؤتمرين في لوزان وبعد توقيع اتفاقية لوزان أعدم مصطفى كمال النائب الكردي حسن خيري.
• يمكن للشعب الكردي في الأناضول المطالبة بإخراج دولة تركيا من الأمم المتحدة ومحاكمة غيابياً لتقديمها بيانات كاذبة عن إسس إنشاء الدولة، وتقديم دعوة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لمحاكمة كل رؤساء تركيا الى الطاغية أردوغان على جرائمهم ضد الشعب الكردي.
• ان سكان دولة تركيا الآن ليسوا أحفاد الترك المغول اللذين قدموا من جبال آلتاي، بل هم أحفاد سبايا الأوربيين ولا يحملون جينات السكان الأصليين لجبال آلتاي، اللذين يتميزون بعيون ضيقة كالصينين وقامة متوسطة.

2. أعدم شاه إيران قاضي محمد بعد أن أسّس جمهورية مهاباد وتخلّي الاتحاد السوفياتي عن دعمه. وقد وعده بعض الوسطاء بمحاكمة عادلة أو بالعفو عنه، إلا أنه أُعدم في ساحة «جوار جرا» في مدينة مهاباد.
3. وقع صدام حسين اتفاقية هدنة "اتفاقية 11 آذار/مارس 1970" مع الزعيم ملا مصطفى بارزاني رحمة الله عليه ورضوانه، عندما كان حزب البعث العربي القومي العنصري ضعيفا، وفي عام 1974 أعلنت الحكومة العراقية قانون حكم ذاتي من جانب واحد مخالفا لما أتفق مع الزعيم ملا مصطفى بارزاني مما أدى إلى اندلاع الحرب الكردية العراقية مرة أخرى.
• بعد توقيع الاتفاقية 11 آذار/مارس 1970، كان يفترض أن يتم تطبيق الحكم الذاتي خلال أربع سنوات، لكن الحكومة العراقية بقيادة صدام حسين اتبعت سياسة مزدوجة:
1. المفاوضات السياسية مع القيادة الكردية.
2. إعادة بناء الجيش وتقوية نفوذ الدولة في المناطق الكردية.
3. كما بدأت الحكومة العراقية بمحاولات تغيير ديموغرافية بعض المناطق مثل كركوك وخانقين.
4. محاولة اغتيال ملا مصطفى بارزاني.
• في عام 1971 حدثت محاولة لاغتيال الملا مصطفى بارزاني بواسطة مفخخات أُرسلت تحت غطاء وفد ديني.
• فشلت العملية، لكنها قضت عمليًا على الثقة بين الطرفين.
5. الاتفاق السري الذي غيّر كل شيء:
• في 6 مارس 1975 وقع العراق وإيران اتفاقية الجزائر 1975 تم الاتفاق بين صدام حسين ممثل العراق ومحمد رضا شاه بهلوي.
6. مضمون الاتفاق:
• وافق العراق على: تعديل الحدود في شط العرب.
• مقابل أن تقوم إيران بـ: إيقاف دعمها الكامل للحركة الكردية.
وقد ارتكبتم نفس الخطأ مع المعارضة العراقية قبل 2003، حيث تركتم كثير من النقاط الى بعد السقوط نتيجة لثقتكم بالمعارضة العراقية، ولم تطبق المادة 140 من الدستور العراقي الذي شرع في 2005 الى الآن والتي تتعلق بحل مشكلة المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وخاصة كركوك ومناطق أخرى مثل سهل نينوى وخانقين.

4. ملا مصطفى بارزاني وهنري كيسنجر بعد نكسة ثورة 1975:
بعد نكسة الثورة الكردية عام 1975، شعر الملا مصطفى بارزاني رحمة الله عليه ورضوانه بمرارة كبيرة تجاه الولايات المتحدة، وخصوصًا تجاه وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر. والسبب يعود إلى الدور الذي لعبته واشنطن في التخلي عن الشعب الكردي لنيل الستقلال.
o نُقل عن كيسنجر قوله:
• "العمل السري لا يجب أن يُخلط مع العمل الخيري".
• أي أن الدعم الأمريكي للثورة الكردية كان جزءًا من لعبة سياسية وليس التزامًا أخلاقيًا.
o أتذكر أنه في عام 1986 كان هنري كيسنجر في زيارة خاصة إلى هولندا لحضور اجتماعات وإلقاء محاضرات. وقد دُعيتُ، بصفتي رجلَ أعمال، ضمن مجموعة محدودة من رجال الأعمال الهولنديين إلى جولةٍ نهرية وغداءٍ معه في أمستردام. كنت قد أعددتُ سؤالًا مباشرًا لطرحه عليه خلال تلك الجولة: لماذا خان الشعب الكردي سنة 1975؟
o غير أن تلك المواجهة لم تحدث. فقبل الموعد بفترة قصيرة تعرّضتُ لاعتداءٍ في شقتي في أمستردام من قبل شخصين مقنّعين مسلحين هدّداني بالقتل إن لم أنفّذ مطالبهما، الأمر الذي اضطرني إلى مغادرة هولندا والسفر إلى باريس، لتضيع بذلك فرصة مواجهة كيسنجر بهذا السؤال الذي كان ينبغي أن يُطرح عليه علنًا.
o لقد كان نهجي دائمًا أن لا أحضر مؤتمرًا أو لقاءً مع مسؤول أو وزير أو رئيس دولة إلا وأطرح أسئلتي، مهما كانت حساسيتها. فالمؤتمرات ليست منصاتٍ للخطابات الدبلوماسية المكررة، بل فرصٌ لمساءلة أصحاب القرار.
o وكان آخر مثال على ذلك عندما حضرتُ الملتقى الصيني–الهولندي في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2018 في لاهاي، برعاية رئيسي وزراء هولندا والصين. وكنتُ الوحيد الذي سُمح له بطرح سؤال، فاقترحتُ مبادرة تعاون هولندي– صيني لبناء وتمويل مليون منزل في العراق لمعالجة أزمة السكن الخانقة. وقد حظيت الفكرة بموافقة أولية مباشرة من الجانب الصيني، إلا أن المشروع أُجهضهُ رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي بالمبادرة، بعد ان ابلغته بالمبادرة، حيث طلبت منه الموافقة لاستمرار في التحضير المشروع "نفط مقابل إعمار".
o إن تفاصيل هذا التواصل موثّقة في مكتب رئاسة الوزراء في بغداد، وهو مثال آخر على كيف يمكن أن تضيع الفرص الكبرى في العراق، ليس بسبب غياب الأفكار أو المبادرات، بل بسبب العجز السياسي وقصر النظر في إدارة المشاريع الوطنية الكبرى.

نصيحتي الثانية: أن استقلال دولة كوردستان الكبرى أقرب الآن من أي وقت آخر، ولكن يجب أن يتوحدوا كل الأحزاب والمنظمات الكردية بدل التنافس وتوزيع الولاءات لتركيا وإيران، أن تصريحاتكم بأن كوردستان للجميع: “كردستان ليست قومية… بل فكرة تعايش”
“كردستان ليست وطنًا للأكراد وحدهم، بل هي بيتٌ واسع لكل من يعيش على أرضها ويؤمن بها وطنًا. إنها أرض الكرد والعرب والتركمان والآشوريين والكلدان والأرمن، وأرض المسلمين والمسيحيين والإيزيديين وسائر الأديان والطوائف. إن قوة كردستان لا تكمن في قومية واحدة أو دين واحد، بل في قدرتها على أن تكون ملاذًا للتنوع وموطنًا للتعايش. فالدولة التي نحلم بها ليست دولة قومية ضيقة، بل وطنٌ يتساوى فيه الجميع في الكرامة والحقوق، وتُصان فيه هوية كل مكوّن كما تُصان هوية كردستان نفسها.”
إن ما أعلنته وتعلنه عن أن كردستان وطنٌ لجميع القوميات والأديان ليس مجرد تصريحٍ سياسي يُقال في المناسبات، بل هو حقيقة أثبتها الواقع والتجربة، فقد كانت كردستان، وما زالت، ملاذًا آمنًا لكل العراقيين بمختلف قومياتهم وأطيافهم، بل وحتى لبعض السياسيين الذين لم يترددوا يومًا في معاداة الكرد وكردستان، ثم وجدوا فيها الأمان حين ضاقت بهم الأرض.
إن الدول التي قامت على إنكار وجود الشعب الكردي، وسعت إلى استعمار أرضه وطمس هويته، أخذت اليوم تلفظ أنفاس أيديولوجياتها العنصرية التي أثبت التاريخ فشلها وعجزها عن بناء دول عادلة ومستقرة. وفي المقابل، يبرز إقليم كردستان كنموذجٍ مختلف في المنطقة: نموذجٍ يقوم على الأمن والاستقرار والتعددية واحترام حقوق الإنسان، حيث تتساوى الحقوق بين جميع سكانه دون تمييز قومي أو ديني، في وقت ما زالت فيه أجزاء واسعة من المنطقة أسيرة الانقسامات الطائفية والقومية.
إن ما تحقق من تطورٍ واستقرار في إقليم كردستان ليس صدفة، بل هو ثمرة نضال طويل ورؤية سياسية واضحة. ولهذا فإن هذا الإنجاز يُحسب لكم، كاك مسعود، بوصفكم مناضلًا ومفكرًا وقائدًا استطاع أن يقود سفينة كردستان وسط بحرٍ مضطرب من الصراعات القومية والطائفية في المنطقة.
ففي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الدول المجاورة تنكر حتى الوجود التاريخي للشعب الكردي في أوطانه الممتدة منذ آلاف السنين، قبل أن تمتد إليها موجات الغزو والاستعمار، استطاعت كردستان أن تثبت أن التعايش والتعددية ليسا شعاراتٍ سياسية، بل أساسٌ لبناء مجتمعٍ حرٍ ومستقر في منطقة أنهكتها سياسات الإقصاء والصراع.

كلمة أخيرة:
• يجب أخذ العبرة من استفتاء أيلول/سبتمبر 2017، فبالرغم من الدعم الواسع الذي أبداه الشعب الكردي لفكرة الاستقلال، فإن توقيت الاستفتاء لم يكن موفقًا، إذ جاء في ظل ظروف سياسية معقدة ولم يحظَ بالدعم الدولي اللازم. كما أن الدول التي تتقاسم كردستان الشرقية والغربية والشمالية كانت آنذاك في موقع قوة، ولم تكن مستعدة للسماح بقيام دولة كردستان.
• إضافة إلى ذلك، لم يكن لإقليم كردستان منفذٌ مباشر للتواصل البري أو البحري مع العالم الخارجي، الأمر الذي زاد من صعوبة تحقيق مشروع الاستقلال في تلك المرحلة، وقد ترتب على ذلك خسارة كركوك وتراجع السيطرة في سهل نينوى.
• ومع ذلك، يُحمد الله أن محاولات المليشيات المدعومة من إيران للتقدم نحو أربيل لم تنجح، نتيجة المقاومة الصلبة التي أبدتها قوات البيشمركة دفاعًا عن الإقليم.
• إن حلم الدولة الكردية لم ينتهِ مع استفتاء 2017، لكنه كشف أن الطريق نحو تحقيقه أكثر تعقيدًا مما يبدو، فالاستقلال لا يتحقق فقط عبر التصويت الشعبي، بل يحتاج إلى لحظة تاريخية تتلاقى فيها الإرادة الوطنية مع الظروف الدولية والإقليمية المناسب، وحتى تحين تلك اللحظة، قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو تعزيز مؤسسات الحكم الذاتي وتطوير الاقتصاد وترسيخ نموذج التعددية والاستقرار في إقليم كردستان، ليبقى مشروع الدولة الكردية حاضرًا كاحتمال سياسي ينتظر تغير موازين القوى في المنطقة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي