|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 3 / 9
يشكل مفهوم "الانتقال الديمقراطي" واحدا من أكثر التصورات رسوخا في الخطاب السياسي العربي المعاصر. هذا المفهوم، الذي استعير أساسا من أدبيات علم السياسة الأميركية، يصور الديمقراطية باعتبارها حزمة من الإجراءات المؤسسية التي يمكن تركيبها فوق أي بنية اجتماعية واقتصادية، وكأنها تقنية إدارية محايدة لا علاقة لها بعلاقات الإنتاج أو بموازين القوى الطبقية. ووفق هذا التصور الشائع، فإن الانتقال ليس أكثر من مرحلة إجرائية: صياغة دستور جديد، تنظيم انتخابات، ثم تداول سلمي للسلطة. غير أن التجربة العربية، وخصوصا أحداث ما عرف بالربيع العربي، كشفت هشاشة هذا الطرح. فالديمقراطية لا تعمل كآلية محايدة فوق مجتمع تحكمه علاقات إنتاج ريعية واختلالات طبقية عميقة، بل تظهر بوصفها ساحة صراع تعكس تلك التناقضات نفسها.
في صيغته النيوليبرالية، يتحول "الانتقال الديمقراطي" إلى مشروع لإعادة ترتيب الهيمنة الاقتصادية بأدوات سياسية جديدة. فعندما انهارت الأنظمة الاستبدادية في تونس ومصر، سارعت المؤسسات المالية الدولية والقوى الغربية إلى تقديم وصفة جاهزة: انتخابات، دساتير، حكومات مدنية، شفافية مؤسسية، وإصلاحات إدارية. لكن هذه الوصفة تعمدت تجاهل السؤال الأكثر حسما: من يمتلك الثروة؟ من يسيطر على وسائل الإنتاج؟ ومن يحدد السياسات الاقتصادية الكبرى؟ بإقصاء هذه الأسئلة من النقاش، جرى ضمان أن تبقى الديمقراطية الوليدة ديمقراطية شكلية لا تمس جوهر علاقات القوة الاقتصادية، بل تساهم في تثبيت التبعية للرأسمال العالمي.
تقدم تونس مثالا واضحا على هذه المعضلة. فعلى امتداد عقد كامل بعد الثورة، تمكنت البلاد من إقرار دستور تقدمي وتنظيم انتخابات متعددة وشهدت تداولا سلميا للسلطة. ومع ذلك بقي الهيكل الاقتصادي على حاله تقريبا: اقتصاد هش يعتمد على السياحة والتحويلات والمساعدات الخارجية، طبقة رأسمالية مرتبطة بالسلطة، بطالة بنيوية مرتفعة، وتفاوتات جغرافية حادة بين الساحل والداخل. ومع استمرار سياسات التقشف المرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي، تزايد الإحباط الشعبي وتكررت الاحتجاجات، بينما تآكلت الثقة في المؤسسات الديمقراطية نفسها. هكذا تحولت الديمقراطية السياسية المنفصلة عن العدالة الاقتصادية إلى واجهة تغطي استمرار التهميش والنهب.
أما تجربة مصر فقد سلكت مساراً مختلفاً لكنه يكمل الصورة ذاتها. فبعد فترة انتقالية قصيرة بين 2011 و2013، عادت الدولة العسكرية بقوة أكبر، مستندة إلى خطاب يحمل التجربة الديمقراطية مسؤولية الفوضى وانعدام الاستقرار. غير أن المشكلة لم تكن في مبدأ الديمقراطية بحد ذاته، بل في محاولة فرض شكل سياسي جديد فوق بنية اجتماعية واقتصادية لم تتغير. القوى التي تصدرت المشهد بعد الثورة لم تمتلك مشروعا اقتصاديا جذريا يعيد ترتيب علاقات الملكية، بل اكتفت بالصراع على إدارة النظام القائم. ونتيجة لذلك ظهرت الثورة السياسية بلا قاعدة اجتماعية قادرة على حمايتها، فانتهت إلى انتكاسة أعادت الدولة السلطوية إلى مركز السلطة.
هذا الالتباس يعيدنا إلى مسألة العلاقة بين الديمقراطية والصراع الطبقي. ففي المجتمعات الرأسمالية الطرفية لا تعمل الديمقراطية ببساطة كواجهة مستقرة للهيمنة كما يحدث في بعض بلدان المركز، بل تتحول إلى مجال مواجهة مفتوحة بين قوى اجتماعية متناقضة. كل توسع في الحريات النقابية أو الإعلامية أو التنظيمية يفتح المجال أمام الفئات الشعبية لانتزاع مكاسب جديدة، وفي المقابل تسعى النخب الاقتصادية إلى تقييد تلك المساحات عندما تهدد مصالحها. ومن هنا يصبح الصراع على الديمقراطية جزءا من الصراع الطبقي نفسه.
في هذا السياق تكتسب الانتخابات معناها الحقيقي بوصفها مؤشرا على توازن القوى داخل المجتمع. المشاركة الواسعة قد تعكس لحظة تعبئة اجتماعية، بينما قد تشير المقاطعة إلى حالة من الإحباط أو فقدان الثقة. لكن مهما كان حجم المشاركة، فإن العملية الانتخابية تبقى محدودة الأثر إذا لم تتغير بنية الاقتصاد. فالحكومات المنتخبة، حتى عندما ترفع شعارات إصلاحية، تجد نفسها محاصرة بضغوط رأس المال المحلي والعالمي وبإملاءات المؤسسات المالية الدولية. وعند هذه النقطة إما أن تتراجع عن برامجها أو تدخل في صدام يؤدي إلى إسقاطها، وفي الحالتين تتعمق قناعة عامة بأن الديمقراطية لا تحقق وعودها.
لم يكن اليسار العربي بمنأى عن هذا الالتباس. فقد انجذب جزء منه إلى نموذج الانتقال الليبرالي، وركز على المعارك الدستورية والانتخابية بوصفها المدخل الرئيسي للتغيير. وفي الوقت نفسه استمرت سياسات الخصخصة والاقتراض والتقشف دون مقاومة واسعة. ومع مرور الوقت ظهر التناقض بوضوح: ديمقراطية لا تمس المصالح الاقتصادية الكبرى تبقى عرضة للانهيار أو الالتفاف عليها في أول أزمة سياسية.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الديمقراطية من زاوية اجتماعية أعمق. فالديمقراطية لا تقتصر على الانتخابات والمؤسسات، بل تشمل قدرة المجتمع على التحكم في ثرواته وتوجيه الإنتاج وفق احتياجاته. العدالة الاجتماعية من دون حريات سياسية تتحول إلى وصاية بيروقراطية، بينما تتحول الحريات السياسية من دون عدالة اجتماعية إلى إطار فارغ يخدم مصالح الأقلية. الربط بين البعدين هو ما يمنح الديمقراطية معناها الكامل.
في هذا السياق يستعاد النقاش الذي طرحه فلاديمير لينين حول ضرورة انتقال السلطة إلى تحالف اجتماعي واسع من المنتجين. المقصود هنا ليس شعارا تاريخيا جامدا، بل فكرة أساسية مفادها أن التغيير الجذري لا يتم عبر إعادة ترتيب المؤسسات القائمة فقط، بل عبر إعادة بناء السلطة السياسية والاجتماعية بحيث تعكس مصالح الأغلبية. عند هذه النقطة تظهر أشكال ديمقراطية أعمق: مجالس محلية فاعلة، تنظيمات عمالية قوية، ومشاركة مباشرة في اتخاذ القرار الاقتصادي والاجتماعي.
بالنسبة للواقع العربي الراهن، يعني ذلك تجاوز وهم الانتقال الديمقراطي الذي يدار من أعلى أو يصاغ داخل غرف النخب. البديل يبدأ من القاعدة الاجتماعية: تنظيمات عمالية مستقلة، مبادرات شعبية في الأحياء المهمشة، وحركات شبابية ونسوية وبيئية تربط مطالبها اليومية بتحليل أوسع لبنية الاقتصاد والسياسة. هذه الشبكات الاجتماعية، حين تتوسع وتتقاطع، يمكن أن تشكل تدريجيا قوة قادرة على فرض تحول ديمقراطي حقيقي.
بهذا المعنى لا تكون الديمقراطية منحة تقدمها النخب الحاكمة، بل نتيجة لمسار طويل من الصراع الاجتماعي. إنها ليست لحظة نهائية تصل إليها المجتمعات، بل عملية مستمرة تتغير مع تغير موازين القوى داخلها. وقد عبرت روزا لوكسمبورغ عن هذا المعنى حين كتبت: "الحرية الحقيقية هي حرية المختلفين في التفكير". وفي السياق العربي اليوم يبدأ هذا الاختلاف بكسر وهم الانتقال الشكلي، وفتح الطريق نحو ديمقراطية اجتماعية أعمق تقوم على مشاركة المنتجين في تقرير مصير مجتمعاتهم.
النضال مستمر،،
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |