حين يقصف العدوان الصهيو-أمريكي البالونات الصينية في إيران: الخداع الحربي وسقوط أسطورة الجيوش التي لا تقهر:

عبد الحفيظ حساني
2026 / 3 / 9

لم تكن التكنولوجيا الصينية حاضرة فقط في دعم الرادارات وقدرات الرصد وتوجيه الصواريخ البالستية والفرط-صوتية، بل حاضرة أيضا في توفير عتاد عسكري (مزور) مصنوع من مواد بلاستيكية قابلة للنفخ: طائرات، مروحيات، ومدرعات ...
هكذا تتباهى جيوش ترامب والنتن، التي تُقدَّم على أنها قوة لا تُقهر، بقدرتها على ضرب الإمكانات الدفاعية والهجومية لطهران، بينما لم تكن في الواقع تقصف سوى بالونات منفوخة. إنها واحدة من الحيل العسكرية التي استُخدمت لخداع الجيوش الصهيو-أمريكية، وكأن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى.
فالتاريخ العسكري مليء بمثل هذه الخدع. ففي حرب عاصفة الصحراء لجأت الجيوش العراقية إلى حيلة بسيطة ولكنها فعالة: تم نصب خيام الجنود ليلا في الصحراء ووضعت قناديل إنارة بداخلها توحي بوجود قوات الحرس الجمهوري. كانت طائرات التحالف تقصف تلك الخيام بكثافة معتقدة أنها تدمر مواقع عسكرية حقيقية، بينما لم تكن في الواقع سوى أهداف وهمية. وعندما تنتهي الطائرات من القصف وتعود للتزود بالوقود، كانت تتعرض لنيران المدفعية المضادة.
إنها قاعدة قديمة في فن الحرب: الحرب خدعة.
صحيح أن هذه الحيل لا تحسم المعارك بمفردها، لكنها تساهم في استنزاف العدو. فقصف طائرة بلاستيكية منفوخة لا تتجاوز كلفتها بضعة دراهم (سلعة 5 دراهم مغربية) قد يستدعي استخدام صواريخ وقنابل تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات. إنها معادلة قاسية في اقتصاد الحرب: هدف رخيص مقابل ثمن باهظ.
لكن الأثر الأعمق لهذه الخدع لا يقتصر على البعد المادي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى الأثر النفسي والسياسي. فعندما يكتشف قادة الحرب أنهم استنزفوا ترساناتهم وذخيرتهم العسكرية في ضرب أهداف وهمية، فإن ذلك يهز صورة القوة التي يحاولون تسويقها، ويكشف هشاشة الأسطورة التي تُبنى حول “الجيوش التي لا تُقهر”. وحقيقة عملية الغضب الملحمي وزئير الأسد ...
وهنا ينبغي التمييز بين الخداع الحربي باعتباره تكتيكا مشروعا في ساحة المعركة، وبين التضليل الإعلامي الذي يرافق الحروب ويهدف إلى تبريرها وكسب التأييد لها. فالأول جزء من فن القتال، أما الثاني فهو أداة سياسية وإيديولوجية لتسويق العدوان.
والأمثلة على هذا التضليل كثيرة. فقد ادّعت إدارة بوش والتحالف الذي قاد حرب الخليج امتلاك العراق لأسلحة كيميائية وأسلحة دمار شامل. لكن السنوات اللاحقة كشفت أن تلك الادعاءات لم تكن سوى ذريعة لإسقاط نظام صدام والسيطرة على الثروات النفطية للعراق.
واليوم تتكرر الرواية ذاتها تقريبا، حيث يُروَّج لامتلاك إيران أسلحة نووية وأسلحة دمار شامل، وأنها تشكل خطرا على أمن المنطقة بل وعلى الأمن العالمي بل وحتى على أهل السنة بدول العالم وخصوصا بالدول المجاورة... وهكذا تتحول الدعاية العسكرية مرة أخرى إلى أداة لتبرير الحشد والعدوان.
لقد كشف التاريخ مرارا حقيقة الأكاذيب التي رافقت جميع الحروب الإمبريالية، كما كشفت التسريبات والوثائق لاحقا [وثائق البنتاغون 1971 (عن الفيتنام) تسريبات ويكيليكس 2010 (عن أفغانستان والعراق) تسريبات البنتاغون 2023 (أوكرانيا) وثائق الجيش الإسرائيلي ضد ايران 2024 و 2026 وصولا الى تسريبات إبستين .... ] الأهداف الخفية وراء تلك الحروب. والتاريخ نفسه سيكشف الحقيقة يوما لمن "يخفي الشمس بعيون الغربال" ويكتفي بالنظر بالعيون الأمريكية.
وفي النهاية ربما لن تذكر كتب التاريخ عدد الصواريخ التي أُطلقت ولا أطنان المتفجرات التي أُلقيت، لكنها قد تتذكر مفارقة أكثر دلالة: أن بعض أقوى الجيوش في العالم أنفقت ملايين الدولارات لتقصف أهدافا لم تكن سوى بالونات منفوخة وأنها خاضت معارك شرسة… ضد الهواء." عندها فقط سيدرك الجميع أن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس قوة السلاح… بل حجم الوهم الذي يُسوَّق على أنه انتصار.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي