|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 3 / 9
ربما لن تتوقع ذلك. في الواقع، لم يكن أشهر أعمال شكسبير في حياته هي إحدى مسرحياته، بل كانت قصيدة طويلة بعنوان "فينوس وأدونيس Venus and Adonis ". لاقت هذه القصيدة رواجًا كبيرًا لدرجة أنها أُعيد طبعها عشر مرات خلال حياة شكسبير. وكان الناس يرددونها ويقتبسون منها بكثرة، حتى انهم كانوا ينامون والقصيدة تحت وسائدهم. ورغم كثرة النسخ المطبوعة، لم يبقَ منها إلا القليل حتى اليوم، لأن من امتلكوها وقرأوها مرارًا فتَلِفت جميع النسخ. فما الذي يميّز هذه القصيدة؟ باختصار، كانت مغرية وفاتنة.
ربما تسألون عن مدى إغرائها؟ دعوني أقرأ لكم مقتطفًا صغيرًا منها: " فينوس تخبر ادونيس: سأكون مرعى وأنت غزالتي. فأرع حيث تشاء، على التلال أو في الواديان. وقَبَّل شفتايّ. وإن كانت تلك التلال جافة، فانزل إلى حيث الينابيع البهيجة"..
لنحاول شرح هذه القصيدة: "فينوس، إلهة الحب، تحاول إغواء أدونيس، الشاب الذي لا يهتم سوى بالصيد. تخبره أنها ستكون بمثابة مرعى له، وأنه سيكون غزالها. وتدعوه لتناول الطعام أينما شاء، (ارعَ حيث تشاء)، سواء أكان ذلك على تلالي أم في ودياني. وتشجعه على تقبيل شفتيها، وإذا لم تكن تلالها (ثدييها) جذابة، تقترح عليه أن يستكشف أسفلها، (أعضائها التناسلية) حيث تقع ينابيعها العذبة"...
لا تتعجب.. نعم كان ذلك مقتطفا من القصيدة..
في عام ١٥٩٣، كان شكسبير كاتب مسرحي مغمور نسبيًا. عُرضت له بعض المسرحيات، لكن لم يُطبع أيٌّ منها بعد، وأُغلقت المسارح بسبب تفشٍّ حادٍّ للطاعون. وكان الوضع سيئًا للغاية. وعلى مدى عام ونصف تقريبًا، مات ١٠٪ من سكان لندن بسبب الطاعون. وفي إحدى الفترات، كان يموت أكثر من ألف شخص أسبوعيًا بسبب هذا الوباء. كان الناس خائفين وحزانى، والاقتصاد مُدمَّرًا. لم تكن هناك أيّة بوادر لإعادة فتح المسارح قريبًا، لذا لجأ شكسبير إلى الطباعة. في ذلك الوقت، كانت الكتيبات الدينية رائجة للغاية في عالم الطباعة، فرجال الدين يبشرون بأن أنماط الحياة الماجنة والانحرافات الأخلاقية لسكان لندن هي التي جلبت الطاعون، بل إن بعضهم ذهب إلى حد القول إن الممثلين المسرحيين تسببوا فيه بشكل مباشر.
وكان كتّاب مسرحيون آخرون عاطلون عن العمل، مثل توماس ناش، يوثقون ما كان يحدث. كانوا يكتبون عن الطاعون بتفاصيل دموية، لكن شكسبير كان يكتب أدباً إباحياً. كان يدرك أن الناس بحاجة إلى متنفس.
كانت قصيدة "فينوس وأدونيس" أول عمل يُنشر باسم شكسبير كمؤلف. لذا، عندما أُعيد افتتاح المسارح عام ١٥٩٤، لم يعد شكسبير كاتبًا مسرحيًا مغمورًا، بل أصبح اسمًا مألوفًا، وأحد أكثر الشعراء شعبية في إنجلترا.
قصيدة "فينوس وأدونيس" طواها النسيان اليوم، لكنها كانت العمل الذي صنع مسيرة شكسبير الأدبية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |