|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

زكريا كردي
2026 / 3 / 8
تدور هذه المرة حول فكرة سؤال تكرر كثيراً في التاريخ:
هل تتغيّر الشعوب - عادةً - بإرادتها او من تلقاء نفسها ،
أم أنها تُغيَّر بالقوة من الخارج ، عبر الغزو و الحروب و و ..؟!
- في إعتقادي، التفكير في مسألة تغيّر الشعوب ، هي واحدة من أعقد القضايا الفكرية ، وهي تتضمن أكثر الأسئلة إلحاحاً في تاريخ الحضارات..
فحين تتأخر أمّة ما ، علمياً أو عقلياً أو حضارياً ،
يُصبح السؤال الحقيقي والواقعي ، ليس عمّن سيغيّرها ،
بل كيف ستتغيّر ، ومن أين سيأتيها هذا التحول او التّغيّر ..
كما نعلم جميعاً ، الحركة والتغير جوهر كل وجود ، والتاريخ لا يعترف بالجمود أو السكون المطلق..
وفي تقديري الأولي ، كل مجتمع لا يتحرّك بإرادته ، سيجد نفسه - عاجلاً ام آجلاً - في مدارٍ قوى أخرى ، تتحرّك بدلاً عنه ، أو تتحرّك فوقه..
لكن مع هذا ، أنا أوقن بعمق ، بأنّ رداء التخلّف والجهل المقدّس على جسد اي شعب او امة - مهما بدا قديماً ثقيلاً ، ليس قدراً محتوماً أو خالداً ..
فالواقع التاريخي والموضوعي ، يُبين لنا يجلاء ، كيف ان كثير من الشعوب التي نهضت ، لم تنتظر معجزة خارجية ، بل اكتشفت بذاتها ونخبها ، أنّ التغيير يبدأ من لحظة وعي داخلي، أي من إدراك أنّ الزمن لم ولن ينتظر أحداً.
فاليابان مثلا ، التي خرجت - اثر ضربة نووية محدودة - من عزلتها التاريخية المجيدة وغطرستها العسكرية ، أو كوريا الجنوبية التي نهضت من رماد الحرب الاهلية ، أو دولة رواندا ، التي أعادت بناء نفسها ، بعد جرح إنساني عميق..
كلها أمثلة صريحة، على أن الإرادة الجماعية، قادرة على قلب الموازين،
وبالذات ، حين تتجسد في مشروع وطني واضح ، وتكون في هيئة مؤسسات منظمة، تعرف ماذا تريد ،
أو لنقل : ارادة تظهر في مجتمع واعٍ ، قرّر أن يغيّر صورته في المرآة، قبل أن يغيّر صورته أمام العالم ..
لكن هنا أيضا ، علينا أن نكون موضوعيين قليلاً ،
الاعتقاد بأن الأمم المتقدمة ، ستتولى - بالضرورة - مهمة “تغيير” الأمم المتأخرة، هو وهم مخادع و خطير ، و للاسف، يتكرر عبر التاريخ...
فالقوى الكبرى بعامة، لا تتدخل بدافع altruism أو رغبة في الارتقاء بالآخرين، بل وفق حسابات دقيقة لمصالحها قبل أي شيء آخر. ..
وحتى حين تتدخل، فإنها تغيّر ما يخدمها هي، لا ما يخدم الشعوب التي تتدخل في شؤونها..
فقد رأينا الاستعمار القديم كيف فعل ذلك، والان التدخلات الحديثة تفعل الشيء نفسه، إنما بطرق مختلفة ومبتكرة..
المهم ، علينا ان نفهم ، ان حروب الاقوياء ( قد تغيّر الأنظمة، وقد تعيد رسم الخرائط ، وقد ..) ، لكنها لا تبني نهضة، ولا تصنع وعياً، ولا تخلق مجتمعاً قادراً على الوقوف على قدميه بالضرورة ...
بمعنى آخر : التغيير المفروض من الخارج ، يشبه تماماً ، البناء على أرض ليست ملكك : قد يبدو لك متيناً حيناً ، لكنه سينهار عند أول اهتزاز حقيقي..
وعندئذ ستكتشف ان التخلف أصبح خطراً مضاعفاً ..
لأنه لم يضعف قدرة الشعوب على التقدم فحسب، بل جعلها أيضاً عرضة لأن تُعاد صياغتها وفق إرادة الآخرين..
لكن رغم ذلك كله ـ انا اؤمن ان الخطر الأكبر على الفهم ، يكون في الاستسلام لفكرة أن التغيير النافع ، لن يأتي، إلا من الخارج ..
لان الشعوب التي تنتظر من يغيّرها، تفقد تدريجياً ، قدرتها على أن تكون صاحبة مصيرها..
أما الشعوب التي تمتلك الوعي الكافي لتدرك أن النهضة قرار داخلي قبل أن تكون مشروعاً سياسياً، فهي وحدها القادرة على أن تكتب تاريخها بيدها ، وأن تحمي مستقبلها من أن يُكتب في مكان آخر.
قصارى القول :
انا ازعم أن الأمم التي لا تغيّر نفسها ، تترك الباب مفتوحاً لغيرها كي يغيّرها، لكن هذا التغيير الخارجي لن يكون أبداً لصالحها.
أما الأمم التي تمتلك الشجاعة لتعيد بناء ذاتها، فهي التي تفوز في نهاية المطاف..
لا لأنها الأقوى، بل لأنها اختارت أن تكون صاحبة قرارها، لا موضوعاً في قرار الآخرين ، مهما كان مجحفا في حقها ..
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurdi
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |