|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 3 / 8
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
إن الحديث عن “إنجازات” يُفترض أنها رفعت من مستوى معيشة المواطن، هو حديث يفتقد للجدية عندما نُقارن بين الأرقام الرسمية والصورة الحقيقية على الأرض. فالقطار السريع، الذي يُقدم على أنه علامة حضارية، يظل مشروعًا يربح منه المستثمرون والمقاولات الكبرى، بينما المواطن العادي لا يستفيد إلا من مناصب محدودة جدًا، ومعظمها موسمي أو بأجور لا تليق بالجهد المبذول. أما الحديث عن صناعة مليون سيارة في اليوم، فهو مجرد شعار إعلامي، لا يعكس قدرة الصناعة المحلية الحقيقية على إنتاج منتجات مستقلة ومنافسة، بل يعتمد على مصانع تابعة لشركات أجنبية تتحكم في السوق المحلي بالكامل.
وإذا أضفنا إلى ذلك الهيمنة الفرنسية على القطاعات الحيوية، نجد أن المغرب يتحول تدريجيًا إلى مستعمرة اقتصادية جديدة، حيث يسيطر المستثمرون الأجانب على الأرباح والاستثمار المحلي، بينما تبقى اليد العاملة عرضة للاستغلال دون حماية قانونية كافية. فالفرنسيون، على سبيل المثال، يحصلون على أكثر من 60٪ من مداخيل الفوسفات، أحد أهم ثروات المغرب الطبيعية، في حين يتم تحويل جزء كبير من الأرباح بعيدًا عن الدولة والشعب. وفي الوقت نفسه، قامت شركات الملك بالاستحواذ على المعادن بكل أشكالها وأنواعها، مما يزيد من تركيز الثروة والسيطرة على الموارد الأساسية في أيدي نخبة ضيقة.
أما المواطن المغربي، فهو يعيش في وضع مزدوج من الاستغلال: غرق في الديون الخارجية التي تثقل كاهل الدولة، وفي الديون الداخلية التي تثقل كاهل الفرد، ما يجعل الحياة اليومية صراعًا للبقاء على قيد الاستهلاك الأساسي، بينما جزء كبير من ثروات البلاد يذهب بعيدًا عن المواطن الحقيقي. إن الاستثمار الأجنبي وحده لا يُعد مؤشرًا على تقدم اقتصادي، بل يُصبح عبئًا إذا لم يسهم في تطوير الصناعة الوطنية وتعزيز قدرات الإنتاج المحلي المستقل.
وفي المدن، تقتصر “الإنجازات” على تحسين واجهات الشوارع الرئيسية وتزيين الساحات، بينما أكثر من 75٪ من سكان المدن يعيشون في أحياء مهمشة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية. أما القرى والمناطق النائية، فهي تعيش أزمة حقيقية: مستشفيات بعيدة، تعليم محدود، وغياب أي مشروع تنموي يرفع من مستوى العيش. هذا التهميش يزيد من الهوة بين المواطن والدولة، ويجعل الانتماء للوطن تجربة صعبة بدل أن تكون مصدر فخر.
إن إعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية الحيوية، وتأميم بعض الشركات الوطنية التي تم تمريرها للقطاع الخاص، كاتصالات المغرب أو مناجم المغرب، يمكن أن يكون خطوة حقيقية نحو الاستقلال الاقتصادي. فالتحكم الأجنبي في هذه الشركات لا يعني فقط استنزاف الثروات، بل أيضًا تحكمًا في سياسات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يُحرم الشعب من امتلاك أدوات التنمية الحقيقية.
أما من الناحية الاجتماعية، فالارتفاع المخيف في نسب البطالة والفقر يُرجّح ارتفاع معدلات الجريمة، ويزيد من شعور المواطن بالغربة داخل وطنه. والمثال على ذلك شهر رمضان، الذي يتحول كل عام إلى مناسبة لإذلال المواطن، بقفة رمضانية محدودة القيمة، تُقدّم من شركات الملك نفسها، وكأن الشعب مجرد زبون يستهلك منتجات الأغنياء.
الإنجاز الحقيقي لا يقاس بالمعارض والافتتاحات الإعلامية، بل بمدى استفادة المواطن العادي، ورفع مستوى حياته اليومية، وضمان حقوقه الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يبقى المغرب أمام تحدٍ حقيقي: كيف يتحول من بلد يُفترض فيه الثروة والاستقرار إلى بلد يُحقق استقلاله الاقتصادي ويضمن العدالة الاجتماعية لجميع المواطنين؟
إنه سؤال يبقى مطروحًا على كل من يحكم، فالمواطن ليس مجرد شاهد على المشاريع الكبرى، بل هو الفاعل الذي يجب أن يشعر بثمار هذه الإنجازات في حياته اليومية، بعيدًا عن الشعارات والتماثيل والواجهة الزائفة للحداثة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |