من ظل القرية الجمجمة الى ضوء المدينة الحلة

سعد العبيدي
2026 / 3 / 6

لم تكن مدينةُ الحِلّةِ محطةً عابرةً في طواف الشهر؛ فهي أصلَ الحكاية ومركزَها المشعّ. منها بدأت الخيوط الأولى للذاكرة، ومنها تشكّلت الطبقات الأعمق في الوعي. كأنّ الطفولة في ربوعها تربةً دافئةً ما تزال تخبّئ بذورها في الداخل. إنها ابنةُ بابل، سارت بمحاذاتها ظلالُ الملوك، ولوّحت في أفقها أطيافُ الجنائن المعلّقة، وصعد من طينها الأول همسٌ عتيق يشبه نداءً لا ينقطع. إلى شمالها تقيم قريةُ الجمجمة، موطنُ الأجداد الذي لم يتغيّر في الذاكرة. شارعُها الوحيد، أو ما يسمّيه الأهل «العجد»، بدا للوهلة الأولى أضيقَ ممّا كان؛ غير أنّه لم يكن كذلك، فالمسافاتُ في داخل العائدين بعد الفراق هي التي تتّسع. على امتداده يلتقي زمنان: زمنُ الذهاب إلى مدرسة عمران الابتدائية في خمسينيات القرن الماضي، حين كان الحفاءُ علامةَ جيلٍ يمضي بأيامه في بساطةٍ صافية قبل عصر الكهرباء وإسالة الماء والتلفاز، وزمنُ الألفيّة الثانية، حيث تبدّلت العلاماتُ وتغيّرت الموازين.
في ذلك الزمن، لم يكن الحفاءُ عيبًا يُوارى، ولا الفقرُ مثلبة. كان الرغيفُ يُقسم نصفين، وكانت السعادةُ تولد من نسمة هواء باردة، وتنمو الطمأنينةُ خفيّةً كنبات الخباز البري في بستان الرهيمية الشهير، فتمنح الحياةَ بساطتها المعهودة. ومن صوتِ عباس الجاسم حين يعلو بأذان الفجر، كان النهارُ يتفتّح بسيطًا، راضيًا بما هو متاح. أمّا زمنُ الألفيّة الثانية، فقد تبدّلت ملامحه؛ لم يعد الحفاءُ ظاهرًا، حلّ محلَّه قلقٌ مكشوف. كثرت الأحذية وتفرّعت الطرق، وتضخّمت صورة الفقر في مرايا المادّة ولهوها العابر، وفي السعي الدائب إلى امتلاك المزيد، حتى غدت السعادةُ كأنّها تُشترى وتُدَّخر في خزائن الوهم.
على امتداد هذا «العجد»، حيث ما يزال الهمسُ القديم يتردّد، يأخذنا الطريقُ من بعيد إلى مجازِ الوزون، إلى بيتِ العائلة العتيق؛ بيتٍ لم يبقَ منه غيرُ صوتِ الأمّ الحبيبة، ابنةِ داوود، يملأ الفراغ. صوتٌ ما يزال ينساب في الأركان كضوءٍ خافت، يوقظ في الجدران دفءَها القديم. هو الصوتُ ذاته الذي كان يسبق المساء إلى سطح الدار، فيهدأ به صخبُ الأشياء، وتلين حدّةُ التعب، ويغدو البيتُ أكثر اتّساعًا ممّا يحتمل. غاب كلُّ شيءٍ في هذا البيت، وبقي صوتُها وحده، كأنّه روحُ المكان؛ لا يشيخ ولا ينطفئ، يحرس الذاكرة ويقيم فيها، ويعلّم القلبَ أنّ الحضور قد يسكن في نبرة، وأنّ الأمّ، حين ترحل، تترك صوتها وطنًا.
انتهى الطريق عند الشطّ الذي ترسو الجمجمة على ضفّته كسفينةٍ مطمئنّة. غير أنّه لم يعد كما كان؛ فقد اختفت الشريعة، ملتقى الشباب، وتلاشى الجرف، مسبحهم الصيفي المفتوح وموضع ضحكاتهم، وجُرفت البساتين التي كانت تعانقه، فنهضت مكانها بيوتٌ متلاصقة قرّبت القرية من صخب المدينة وأبعدتها عن صفائها الأوّل. منها بدأ الطريق ممتدًّا إلى مركز المدينة، الحِلّة؛ كأن الانتقال إليها خروجٌ من ظلٍّ وادعٍ إلى ضوءٍ لا يستقرّ. والمشي بمحاذاة النهر، قريبًا من أطلال حديقة النساء التي أُنشئت في الثلاثينات لإكرام النساء، يوقظ ذكرى زمنٍ عامرٍ بالضحكات والمقاعد البيضاء. لقد اختفت الحديقة، وغاب المشي المعهود للنساء، وفتر الحنين؛ حتى الخطى لم تستعد نشوتها الأولى، إذ حلَّ في القدمين ثقلٌ خفيّ بعد هذا التغيير واحتجاب الوجوه الجميلة التي كان التطلّع إليها يمنح الخفّة لمواصلة المشي ساعاتٍ طويلة، فآثرت الاستراحة. وعلى الطريق يقوم مول (BDC)، أوّل ما بُني من نوعه في المدينة، صُمّم مقصدًا لأهل الحِلّة. أراده سليم الجمجماوي الذي بدأ من الصفر، مكانًا أنيقًا تتوزّع فيه مقاعد الراحة والمقاهي، ويرتاده الناس من مختلف الأعمار. وهناك، على إحدى طاولاته الهادئة، تيسّر الجلوس مع شخصيّات حلّيّة، كان الحديث وإياها امتدادًا لذاكرة المدينة، إختلط فيه ذكر الأمس بنبض الحاضر. ومع ميل المساء إلى هدوئه، اقترح أحمد، رفيق الطفولة والصبا، مواصلة الحديث في تعلولةٍ جمجماويّة؛ يطول فيها السمر، فكانت ڤيلّا أبو سرحان التي بناها ناجح على الطراز البابلي فوق أرضٍ آلت إليه حصةً من جدّه شهاب في منطقة البازول، تلك البقعة التي كانت يومًا بستانًا، أو مجموعة بساتين، قبل أن تزحف إليها البيوت. هناك فوق عشبها الندي دار الحديث عائليًا، وتفرّعت الحكايات، حتى مضى الليل قريبًا من منتصفه، وتفرّقت الحكايات في طرقٍ يعرف كلٌّ منها وجهته.
***

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي