|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 3 / 1
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
في عالم متقلب تهيمن عليه النزاعات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية، تبدو التحالفات الدولية كأوراق لعب تكشف قيمتها فقط عندما تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى. منذ نهاية الحرب الباردة وحتى اليوم، أثبتت الأحداث أن الولاء في التحالفات غالبًا ما يكون ثانويًا أمام حسابات الربح السياسي والاقتصادي. فالدول التي تصطف مع الولايات المتحدة، أو روسيا، أو الصين، غالبًا ما تكتشف أن الحماية الموعودة ليست مطلقة، وأن الوجود العسكري أو الدبلوماسي لهذه القوى لا يضمن الوقوف الفعلي إلى جانبها عند نشوب الأزمات.
________________________________________
فنزويلا: نموذج التحالف الذي يخلو من حماية فعلية
تعد فنزويلا مثالاً واضحًا على محدودية فعالية التحالفات. فقد ارتبطت هذه الدولة الغنية بالنفط بعلاقات وثيقة مع روسيا والصين خلال العقدين الماضيين، بينما كانت الولايات المتحدة حليفًا قديمًا لها في مراحل سابقة. ومع ذلك، عندما شنت الولايات المتحدة عمليات تهديد مباشر على فنزويلا، بما في ذلك محاولات ما سُمّي بمحاولة "اختطاف" الرئيس من مقر إقامته، لم نشهد أي تدخل عسكري أو عملي من روسيا أو الصين. اكتفى الطرفان بتصريحات دبلوماسية على الشاشات، دون خطوات فعلية لحماية الحليف.
هذا يوضح أن التحالفات الدولية، مهما بدت قوية على الورق، غالبًا ما تتراجع أمام المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى للقوى الكبرى، وأن الدول الحليفة غالبًا ما تصبح مجرد ورقة تفاوضية في الحسابات الاستراتيجية.
________________________________________
إيران واليمن: صمت القوى الكبرى أمام التهديدات الأمريكية
الصورة تتكرر اليوم مع إيران واليمن، حيث تقوم الولايات المتحدة، بدعم من إسرائيل، بالتحرك بحرية نسبية في المنطقة. بالمقابل، يكتفي الحليفان الصيني والروسي بالبيانات الإعلامية والتنديد الدبلوماسي، دون أي تدخل ملموس. الصمت هنا لا يعكس ضعف القوة العسكرية، بل حسابات دقيقة: الصين تسعى لحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة وتأمين إمدادات الطاقة، بينما روسيا تعمل على نشر نفوذها السياسي والعسكري، لكنها تختار بدقة أوقات التدخل وتفاصيله لتفادي مواجهة مباشرة قد تهدد مصالحها الأكبر.
________________________________________
الاتحاد الأوروبي: درس الاستقلالية العسكرية
حتى التحالفات الغربية لم تسلم من اختبار الولاء. فقد شهدت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أثناء إدارة ترامب تراجعًا ملموسًا في الدعم المتبادل، ما دفع ألمانيا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الدفاعية. ألمانيا خصصت ميزانية ضخمة لتحديث جيشها، وتعزيز جاهزيته التقنية والعسكرية، في إشارة واضحة إلى أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ضمانًا لحماية الأمن القومي الأوروبي.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا في أوروبا بأن التحالفات قد تنهار أمام مصالح القوى الكبرى، وأن بناء القدرة الذاتية على الدفاع أصبح ضرورة لا غنى عنها.
________________________________________
التحالفات بين أمريكا والصين وروسيا: المصالح قبل الولاء
1. الولايات المتحدة
السياسة الأمريكية حول العالم تُبنى على مصالح استراتيجية واقتصادية قبل أي اعتبار تحالفي. مشاريع مثل "الشرق الأوسط الكبير"، الذي يسعى للسيطرة على منابع الطاقة من المحيط إلى الخليج، تعكس رغبة الولايات المتحدة في حماية مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية، وليس الولاء للحكومات المحلية. هذا التوجه يوضح أن أي دولة حليفة للولايات المتحدة يجب أن تفهم أنها تحمي مصالح أمريكا أولًا، حتى لو كان ذلك على حساب أمنها أو سيادتها.
2. روسيا
تركز روسيا على نشر نفوذها السياسي والعسكري، لكنها تختار بعناية الوقت والمكان للتدخل، كما رأينا في سوريا وأوكرانيا. روسيا تمارس سياسة توازن دقيقة: تدعم حلفاءها بما يضمن مصالحها الجيوسياسية، لكنها لا تتورط عسكريًا خارج حدود حساباتها الاستراتيجية، وهو ما يفسر صمتها تجاه التدخلات الأمريكية في فنزويلا أو إيران.
3. الصين
الصين تركز على الاقتصاد والتجارة، مؤمنة بأن القوة الاقتصادية تُترجم في النهاية إلى نفوذ سياسي. علاقاتها مع إيران وفنزويلا وسواهما غالبًا ما تكون تجارية بحتة، مع دعم رمزي سياسي أو إعلامي، دون استعداد للتدخل العسكري المباشر، إذ تفضل حماية استثماراتها ومصالحها الصناعية على المخاطرة بحرب قد تهدد اقتصادها المتنامي.
________________________________________
مستقبل التحالفات: هل هناك أمل للحماية الحقيقية؟
المعطيات الحالية تشير إلى أن التحالفات في القرن الحادي والعشرين أصبحت مصلحية بالدرجة الأولى، وأن الدول الحليفة يجب أن تعد نفسها للسيناريوهات المختلفة:
• الاعتماد على الذات: تعزيز القدرات الدفاعية والاقتصادية للدولة الحليفة أصبح ضرورة.
• التفاوض الذكي: استخدام التحالفات الحالية كأداة ضغط ومساومة، لا كمصدر حماية مطلق.
• الموازنة بين القوى: بعض الدول قد تختار موازنة النفوذ بين أمريكا وروسيا والصين لتجنب الوقوع في مواجهة مباشرة أو الانعزال الاستراتيجي.
________________________________________
الخلاصة
تاريخ التحالفات الدولية يوضح نمطًا ثابتًا: الولاء غالبًا ما يكون ثانويًا أمام المصالح الوطنية الكبرى. الدول الحليفة غالبًا ما تكتشف أن وعود الحماية ليست مطلقة، وأن التصريحات الإعلامية لا تعني تدخلًا فعليًا عند الأزمات. العالم المعاصر أصبح يشبه الغابة، حيث القوة والسيطرة الاقتصادية والسياسية تحددان من يحمي من ومتى. بالتالي، على الدول الحليفة أن تبني قدراتها الدفاعية والاقتصادية، وأن تستخدم التحالفات كأداة مصلحة مؤقتة، لا كضمان مطلق للأمن والاستقرار.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |