بتكريم عبد الحي الرايس الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة تكرس مبدأ الاعتراف بالإشعاع التربوي والعمل الجماعي

عزيز باكوش
2026 / 2 / 28

تحت شعار "رمضان فاس إرث وتاريخ يشدّ الأنفاس"، نظمت الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة، بشراكة مع مركز إكليل ومقاطعة المرينيين، بعد زوال الخميس 26 فبراير، فعاليات رمضانيات إكليل فاس – النسخة الثانية، في لقاء تكريمي حمل عنوان: الأستاذ عبد الحي الرايس اسم ملهم في التربية والحياة"، من تنشيط الإعلامية الدكتورة بشرى البهيجي.
جاء هذا الموعد الثقافي والتربوي في أجواء يملؤها الاعتراف والوفاء، بحضور ثلّة من أصدقاء وزملاء المحتفى به، ونخبة من مثقفي وأدباء مدينة فاس، إلى جانب فعاليات من النسيج المدني. ويُعدّ هذا اللقاء تجسيدا عمليا لمبدإ راسخ لدى الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة، قوامه الاحتفاء برجالات شكلوا مدارس قائمة بذاتها في الأخلاق والمهنية، وكانوا نماذج مضيئة في الإشعاع التربوي والعمل الجمعوي، بما يجعل من مساراتهم قدوة تُقتدى للأجيال اللاحقة.
استُهلّ اللقاء بكلمات الجهات المنظمة والداعمة: مركز إكليل، مقاطعة المرينيين، والشبكة الوطنية للقراءة والثقافة، حيث أكدت جميعها على رمزية هذا التكريم في شهر تتجدد فيه القيم، وتُستحضر فيه معاني العطاء والسمو. وقدمت الدكتورة بشرى البهيجي ورقة ملهمة استعرضت فيها مراحل الإعداد والتحضير لكتاب “خواطر وهمسات” لمؤلفه الأستاذ عبد الحي الرايس، والذي صدر في حلة أنيقة تليق بمضمونه. كتاب ضخم في مبناه ومعناه، جاء في 628 صفحة من القطع المتوسط بطباعة فاخرة، وتزيّن بغلاف صقيل بديع أسهم في إخراجه الفنان الراحل حسن جميل و الفنان محمد الأصيل.
ويُعد هذا الكتاب الذي وُلد من رحم التجربة ثمرة ناضجة لتعاون نخبة من الكفاءات والأطر المغربية من مختلف التخصصات، حيث أغنى أساتذة ودكاترة محاوره الإثني عشر بالتقديم والتمهيد والتوطئة، ليغدو عملا جماعيا يعكس روح التكامل العلمي والفكري.
تميّز لقاء مركز إكليل الرمضاني بعرض شريط قصير وثق محطات من حياة الأستاذ عبد الحي الرايس، بصور تختزل منعطفات مسار حافل، وتدعو إلى التأمل في سيرة رجلٍ نسج حضوره في الذاكرة التربوية والإنسانية لمدينة فاس. الشريط جاء بصوت الدكتورة بشرى البهيجي، وإخراج محمد التدلاوي، في عمل جمع بين المهنية واللمسة الوجدانية

وفي شهادة باسم جمعية حماية اللغة العربية، أكد الدكتور أحمد العلوي العبدلاوي اجتماع الخصال الحميدة والمناقب الرفيعة في شخصية المحتفى به، مشيدا برصانته ووقاره، وحكمته في التدبير، وصدقه الذي لازم أقواله وأفعاله. واعتبره قدوة لأجيال من تلامذته ومرافقيه، يستلهمون من تعدد اهتماماته وإصراره على المضي قدما في مشاريع تربوية وثقافية وبيئية.وأوضح المتحدث أن الأستاذ الرايس أصبح علما من أعلام مدينة فاس، تعرفه دروبها وحدائقها ومؤسساتها، كما يعرفه كل من جاوره أو اشتغل معه، لما تركه من أثر طيب في الحياة الاجتماعية والثقافية.
وعلى صعيد اللغة العربية، التي ربّى أجيالا على حبها والاعتزاز بها، أُبرزت شهادة الدكتور العبدلاوي مكانة الأستاذ الرايس كمدافعٍ جسور عنها، ومصححٍ لأخطائها بلباقة العالم وحزم المربي. فقد انخرط بفعالية في الحراك الثقافي والأدبي اللغوي والبيئي عشقا ودفاعا ، وخصوصا داخل الجمعية المغربية لحماية وخدمة اللغة العربية، حيث كان عطاؤه بيّنا وشحذه لهمم أعضائها جليا.وفي حضرة اللغة العربية ،ظلّ متصدّيا لكل الأصوات التي ترميها بالعجز عن مواكبة المستجدات، مدافعا عنها برزانته المعهودة، ومستندً في تصويباته إلى مرجعية راسخة، مستشهدا بكتاب الله تعالى، ومذكّرا بدقة الاستعمال وجمالية البيان.
كما استمع الحاضرون إلى شهادة الدكتور إبراهيم أقديم، رئيس مؤسسة لسان الدين بن الخطيب، والتي تلتها نيابة عنه الدكتورة فتيحة عبد الله لتعذر حضوره. وقد اعتبر فيها الأستاذ الرايس من المؤسسين لحركة مواصلة بناء النموذج التربوي والتعليمي الوطني وتحسينه عبر مراجعات دائمة ومقترحات عملية مستندة إلى القانون والفقه والممارسة ومعرفة الواقع، مع انفتاح واعٍ على التجارب الكونية الرائدة. معتبرا الرجل منظومة فكرية متكاملة، حاملة لمعان قوية وتوجيهات نابعة من تجربة عميقة، مؤطرة بفكر نقدي إيجابي بنّاء، وصياغة كتاب "خواطر وهمسات" بليغة وأسلوبه راق يشد القارئ إلى متابعة صفحاته دون ملل.
وجاءت كلمة الأستاذ عبد الحي الرايس رئيس مؤسسة يوم فاس والمنتدى الوطني للمبادرات البيئية سيريةً مؤثرة، اتسمت بالموضوعية والتواضع، بوصفها سيرة حكمة واستشراف. واستحضرت محطات من مساره المهني والإنساني، مع نظرة استشرافية للمستقبل قوامها الحكمة والتبصّر. كلمة عبّرت عن معدن رجل آمن برسالة التربية، وجعل من الالتزام منهجا، ومن الانضباط مذهبا، ومن الجدية والصدق سمتين ملازمتين لمساره.
وأجمع المتدخلون على أن لحظة التكريم وفاء يليق بالمقام ، لحظة اعتراف ووفاء، تُستحضر فيها مسيرة حافلة بالعطاء، وتتجدد فيها قيم التربية الأصيلة التي تحتاجها المدرسة والمجتمع. وأكدوا أن المحتفى به جمع بين المربي العادل، والفاعل الجمعوي العامل، والقدوة الملهمة للأجيال الحالية والآتية.
وفي أجواء مفعمة بالتقدير، تم توزيع “العهد البيئي” للمنتدى المغربي للمبادرات البيئية، ثم تقديم الدرع والشهادة التقديرية وهدايا رمزية، أعقبتها جلسة توقيع نسخ محدودة من كتاب “خواطر وهمسات”. واختُتمت الفعالية بتوثيق هذه اللحظة النبيلة بصور فردية وجماعية تحفظ للذاكرة أثرها.
ومن المبادرات البديعة التي لاقت استحسان الحاضرين، الجولة التي نظّمتها الأستاذة أمينة مشروحي، المسؤولة بالمركز الثقافي إكليل، في فضاءات المركز، حيث قدّمت شروحات وافية حول شروط وآليات الاستفادة من خدماته، بروح متفائلة وتواصل فعّال. وشملت الجولة المكتبة الوسائطية، وورشات الفنون التشكيلية والتطبيقية والدرامية والموسيقى، تاركة انطباعا حسنا في نفوس المشاركين.
وهكذا، كانت رمضانيات إكليل فاس محطة ثقافية وتربوية بامتياز، كرّست ثقافة الاعتراف، وأكدت أن فاس، بتاريخها وإرثها، لا تزال تنجب رجالاً يصنعون الفرق في صمت، ويتركون في القلوب أثرًا لا يُمحى.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن