أفكارٌ بسيطةٌ غير ملزمة لأحد ..( 86 )

زكريا كردي
2026 / 2 / 28

----------------------------
تدور حول الإجابة المقتضبة، على سؤال هام لاحد المتابعين الأكارم على موقع الحوار المتمدن المحترم :
"كيف يمكن لدول ديمقراطية، وجهات ذات توجهات علمانية ليبرالية، ان تدعم تيارات ظلامية تكفيرية، في حكم بعض الدول أو الشعوب . ؟
- يا عزيزي ، قد يبدو لك - للوهلة الأولى - أن دعم دولة ديمقراطية أو ليبرالية لحركات أصولية أمر يناقض مبادئها المعلنة.
غير أن السياسة لا تُدار بمنطق القيم وحدها، بل بمنطق المصالح التي تتحرك وفق مراحل زمنية مختلفة..
فالدولة قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع أطراف لا تشاركها رؤيتها الفكرية، لكنها قادرة على أداء دور يخدم لها ، هدفا استراتيجيا أبعد.
وهنا يظهر جوهر البراغماتية السياسية : (البراغماتي اي العملي) ، إذ ليس المهم ان تتعامل فقط مع من يشبهك، بل من يخدمك في اللحظة المناسبة، ويساعدك على النجاح وتحقيق المراد ..
فقط من خلال هذا السياق، يمكنك فهم كيف دعمت بعض الدول الغربية - ومنها امريكا - أحياناً بعض تيارات الإسلام السياسي في مراحل معينة. .
والحق ان كل ذلك، لم يكن تعبيراً حقيقياً عن انسجام فكري ، بل عن قراءة باردة للواقع الراهن وظروف احتياجاته حسب...
فهذه الحركات الاصولية ، رغم طابعها الأيديولوجي المحافظ، كانت تمثل - في بعض الأحيان - قوة اجتماعية، قادرة على موازنة نفوذ خصوم آخرين، أو ورقة ضغط ، يمكن استخدامها لإعادة تشكيل المشهد السياسي في منطقة ما...
وللأمانة الواقعية ، قد يحدث أن تُفضّل دولة ليبرالية التعامل مع جماعة أصولية ارهابية ( كالاخوان المسلمين او داعش أو حماس .. ) ، فقط لأنها أقل تهديدا لمصالحها من نظام قومي أو وطني مُعَادٍ ، أو لأنها تفتح باباً مختلف ، لتغيير تدريجي يخدم أهدافا بعيدة المدى...
أيا كان الامر عزيزي الموطن الحالم ، السياسة الدولية لا تُبنى على ثنائيات بسيطة من نوع “صديق/عدو”، بل على شبكة معقدة من الحسابات..
لذلك قد تدعم دولة ديمقراطية خصما أيديولوجيا إذا كان هذا الخصم قادرا على إضعاف خصم أكبر، أو خلق توازن مطلوب، أو توفير نافذة نفوذ في منطقة حساسة.
وهكذا يصبح “عدوّ اليوم” أداة مرحلية ، فيُقلب الى صديق ، لا حباً فيه، بل لأن وجوده يخدم مسارا استراتيجيا مرسوماً...
قصارى القول :
في تقديري ، السياسة هي فعل، وليس ردة فعل ..و البراغماتية السياسية، لا ترى العالم كما يجب أن يكون، بل كما هو. ..
ولهذا قد تتخذ تلك الدول الفاعلة ، خيارات سياسية ، تبدو متناقضة مع خطابها الأخلاقي، لكنها - في الحقيقة - منسجمة تماما ، مع منطق المصلحة القومية العليا ، الذي يحكم سلوكها في المدى البعيد...
أهلا بك في الواقع الانساني كما هو ،
ولا عزاء للثائرين الأغبياء ، وابناء الجهل المقدس .
zakariakurdi

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر