|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 2 / 28
ألمانيا : فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي
تجري المفاوضات الحالية بين المغرب وجبهة البوليساريو، بحضور الجزائر وموريتانيا، في سياق إقليمي ودولي يتسم بالإرهاق السياسي من نزاع طال أمده أكثر من أربعة عقود. غير أن الصمت الذي يلف هذه المفاوضات لا يعكس بالضرورة تقدّمًا نوعيًا، بقدر ما يكشف عن هشاشة المسار التفاوضي نفسه، وعن عجز الأطراف المعنية عن تجاوز البنية الأصلية للنزاع. فالمطروح على الطاولة ليس حلاً جذريًا بقدر ما هو محاولة لإعادة تدوير الأزمة ضمن صيغة “الحكم الذاتي”، وهي صيغة تبدو، عند إخضاعها للتحليل النقدي، محمّلة بتناقضات مفاهيمية وسياسية عميقة.
الحكم الذاتي كحل مؤجل لا كحل نهائي
يقدَّم الحكم الذاتي في الخطاب المغربي الرسمي باعتباره سقفًا نهائيًا للتسوية، غير أن مضمونه العملي يكشف عن تصور إداري أكثر منه سياسي. فإصرار الدولة المغربية على تعيين رئيس السلطة التنفيذية في الإقليم من طرف الملك يفرغ الحكم الذاتي من جوهره الديمقراطي، ويحوّله إلى شكل من أشكال اللامركزية الموسعة، لا إلى تعبير عن إرادة سياسية محلية مستقلة نسبيًا.
في المقابل، لا يبدو طرح جبهة البوليساريو أقل إشكالية، إذ إن إصرارها على انتخاب رئيس الإقليم من طرف الصحراويين يُقرأ كجزء من استراتيجية تراكمية تهدف إلى الحفاظ على إمكانية الانفصال مستقبلًا. وعليه، فإن الخلاف حول آلية اختيار الرئيس ليس سوى انعكاس لصراع أعمق حول تعريف السيادة وحدودها، وحول ما إذا كان الحكم الذاتي نهاية للمسار أم مجرد محطة انتقالية.
إشكالية الهيئة الناخبة وإعادة إنتاج مأزق الاستفتاء
تُعيد مسألة من يحق له التصويت إنتاج الفشل التاريخي لخيار الاستفتاء، الذي تعثر بسبب استحالة التوافق على الجسم الانتخابي. فطرح البوليساريو القائم على حصر التصويت في الصحراويين الذين تم إحصاؤهم قبل 1978 يستند إلى منطق انتقائي يتجاهل التحولات الديمغرافية والاجتماعية التي عرفها الإقليم، كما يتعارض مع مبادئ المواطنة الفعلية وحقوق الإقامة والاستقرار.
في المقابل، يطرح الموقف المغربي إشكالًا مغايرًا، إذ إن توسيع الهيئة الناخبة ليشمل جميع سكان الصحراء، دون آليات تضمن توازن التمثيلية السياسية، قد يُفهم كوسيلة لإعادة تشكيل الإرادة المحلية بما يخدم الخيار المركزي للدولة. وفي الحالتين، لا يتم التعامل مع السكان كفاعل سياسي مستقل، بل كعنصر وظيفي في معادلة تفاوضية مغلقة.
الرمزية السياسية وحدود السيادة المتفاوض عليها
تكتسي مسألة العلم بعدًا رمزيًا يتجاوز طابعها الشكلي، إذ تعكس صراعًا حول احتكار التمثيل السياسي والرمزي للإقليم. تمسّك البوليساريو بعلمها يعكس رفضًا ضمنيًا لأي تسوية تُنهي سردية “التحرر الوطني”، في حين يعبّر الرفض المغربي القاطع عن خشية من خلق ازدواجية رمزية قد تُقوّض مفهوم الدولة الواحدة.
غير أن الإشكال الأعمق يتمثل في أن الطرفين يتعاملان مع الرموز باعتبارها خطوطًا حمراء، لا أدوات تفاوض، ما يحدّ من إمكانيات الابتكار السياسي، ويجعل أي حل رهينًا بمنطق الغلبة الرمزية لا التوافق العقلاني.
موريتانيا – الحياد المشروط والمصلحة الاقتصادية
تكشف المطالب الموريتانية المتعلقة بمنطقة الكويرة عن مقاربة واقعية بحتة، تُغلّب الأمن الاقتصادي على أي انخراط سياسي مباشر في النزاع. فإصرار موريتانيا على نزع الطابع العسكري عن الكويرة ومنع إقامة ميناء تجاري فيها يعكس خوفًا بنيويًا من اختلال التوازن الاقتصادي لصالح منافذ بديلة قد تهدد ميناء نواديبو.
غير أن هذا الموقف، وإن بدا حياديًا، يساهم فعليًا في تجميد وضع قانوني ملتبس لمنطقة تُعتبر “خضراء” أو غير محسومة السيادة، ما يجعلها فضاءً هشًا قابلًا لإعادة التوظيف في صراعات مستقبلية.
الجزائر – من دعم تقرير المصير إلى إدارة النفوذ الإقليمي
لا يمكن فهم دور الجزائر في هذه المفاوضات خارج إطار حساباتها الجيوسياسية. فمناقشة تفاصيل الصحراء الشرقية وترسيم حدودها يكشف عن رغبة في تحصين المجال الأمني الوطني أكثر من انخراط فعلي في حل النزاع. أما ملف مخيمات تندوف، فيظل أحد أكثر الملفات حساسية، إذ يطرح أسئلة محرجة حول الوضع القانوني للاجئين، وحرية حركتهم، وحدود تمثيل البوليساريو لهم.
إن استمرار هذا الوضع يشي بأن المخيمات تحولت من فضاء إنساني مؤقت إلى ورقة سياسية دائمة، تُستثمر في المفاوضات دون أفق واضح لإعادة إدماج ساكنتها في حل نهائي.
أزمة حل أم حل أزمة؟
تُظهر المفاوضات الجارية أن النزاع حول الصحراء لم يعد نزاعًا حول الأرض فقط، بل حول تعريف الدولة، وحدود السيادة، ومعنى التمثيل السياسي. فالحكم الذاتي، كما يُطرح حاليًا، لا يعالج جذور النزاع بقدر ما يعيد صياغته في قالب أقل صدامية.
وبذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل المفاوضات، بل في نجاحها الشكلي؛ أي التوصل إلى اتفاق هش يفتقر إلى الشرعية الشعبية والوضوح الدستوري، ما يجعله قابلًا للانهيار عند أول تحول سياسي أو إقليمي. ومن هنا، يمكن القول إن ما يُدار اليوم ليس حلًا للنزاع، بل إدارة طويلة الأمد لأزمة سياسية مؤجلة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |