على هامش زيارة مودي لدولة الإبادة الجماعية: ارتهان السيادة ورهان الأيديولوجيا

جهاد حمدان
2026 / 2 / 28

لم تأتِ زيارة ناريندرا مودي للكيان الإسرائيلي في فبراير 2026 كحدث دبلوماسي عابر، بل كانت تتويجاً لمسار طويل انحرف بالسياسة الخارجية الهندية عن إرثها التاريخي المناهض للاستعمار. فبعد أنْ كانت الهند صوتاً لقيادة حركة عدم الانحياز، تحولت اليوم في ظل حكم "الهندوتفا" (القومية الهندوسية) إلى شريك عضوي في مشروع الصهيونية العالمية. إن هذا التحالف ليس مجرد تقارب مصالح، بل هو تطابق أيديولوجي عميق بين نظامين يرتكزان على "دولة الأمة الإثنية" التي تُقصي "الآخر" وتستبيح أمنه، وهو مسار بدأ رسمياً عام 1992 مع قرار حكومة ناراسيمها راو بالتطبيع، لكنه في عهد مودي انتقل من "الدبلوماسية الواقعية" إلى "التماهي الأيديولوجي والأمني"، حيث باتت إسرائيل بالنسبة لليمين الهندي نموذجاً يُحتذى به في هندسة الديموغرافيا والرقابة الأمنية.
لقد بلغ هذا التماهي حد "الأدلجة" عبر صفقات أمنية حوّلت الهند إلى ساحة تجارب لتقنيات القمع. فالاتفاقيات الموقعة مؤخراً حول "المركز السيبراني" المشترك وتوطين صناعات المراقبة، جعلت الهند مرتهنة للخبرة الإسرائيلية في تقنيات التجسس التي استُخدمت في الأراضي الفلسطينية، ليتم إعادة إنتاجها في الداخل الهندي كأدوات رقابة على المعارضين. إنّ هذا الارتباط التقني لا يعزز الأمن القومي بقدر ما يحوّل الأجهزة الأمنية الهندية إلى نسخة من آليات القمع التي تُمارس في الضفة الغربية، وهو ما واجه معارضة شرسة داخل الهند؛ إذ أصدر الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) بياناً جاء فيه "تأتي هذه الزيارة في وقت تشنّ فيه إسرائيل حرب إبادة جماعية في غزة. ورغم وقف إطلاق النار، إلا أنّ إسرائيل ترتكب انتهاكات يومية، وتشن غارات تودي بحياة العشرات من الفلسطينيين. وفي الضفة الغربية المحتلة، تتصاعد الهجمات على الفلسطينيين، وتتزايد أعداد المستوطنات غير الشرعية". وتابع البيان: تُعدّ زيارة مودي خيانة للقضية الفلسطينية، وتُضفي الشرعية على نظام نتنياهو القاتل. كما أنّ الهدف المعلن من الزيارة هو تعميق العلاقات الإستراتيجية والعسكرية والإقتصادية مع كيان صهيوني توسعي يسعى للهيمنة على المنطقة بدعم من الولايات المتحدة". وختم "وبهذه الزيارة، تكون حكومة حزب بهاراتيا جاناتا قد كشفت مرة أخرى عن التزامها المخزي بالمحور الأمريكي الإسرائيلي في غرب آسيا". كما اتهم حزب المؤتمر الوطني الهندي الحكومة بـ "الجبن الأخلاقي"، مشيراً إلى أنّ "استيراد التكنولوجيا السيبرانية الإسرائيلية هو تهديد سيادي مباشر للحريات المدنية والديمقراطية".
وتأتي هذه الزيارة لتعزز الشراكة الثنائية ولتصبح ركيزة أخرى لمشروع "الممر الاقتصادي، الذي تسعى الهند عبره لمحاصرة مبادرة "الحزام والطريق" الصينية. فهذا الممر ليس مجرد مشروع تجاري لربط مومباي بحيفا ثم أوروبا، بل هو عقيدة أمنية تتطلب "استقراراً قسرياً" في الشرق الأوسط يضمنه الجيش الإسرائيلي، مما يفسر صمت نيودلهي تجاه ما يحدث في غزة، إذ تُعد الهيمنة الإسرائيلية-الأمريكية شرطاً ضرورياً لضمان سلاسة هذا الممر. وهنا يبرز التناقض الصارخ الذي تعيشه الهند كعضو في مجموعة "بريكس"؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه المجموعة لإنهاء الهيمنة الدولارية وتعددية الأقطاب، تلعب الهند دور "حصان طروادة" للسياسات الأمريكية-الإسرائيلية، مما يضعها في صدام مباشر مع مصالح حلفائها (الصين وروسيا وإيران)، ويفقدها مصداقيتها كقائدة للجنوب العالمي، إذ لا يمكن للهند أنْ تكون قطباً مستقلاً بينما ترتهن استراتيجياً لمشاريع تهدف إلى تطويق حلفائها وتكريس الهيمنة الغربية.
ولا يغيب عن هذا المشهد الرهان الاقتصادي الهش على العمالة في الخليج، التي ترفد الهند بـ 135 مليار دولار سنوياً. إنّ رهان حكومة مودي على "فصل الاقتصاد عن السياسة" يغفل حقيقة أنّ الغضب الشعبي العربي المتصاعد تجاه التواطؤ الهندي مع إسرائيل قد يفرض يوما أجندته على الحكومات، مما قد يدفع دول الخليج لإعادة النظر في سياسات العمالة كإجراء سيادي أو استجابة لضغط الشارع. ولا تملك خطة بديلة لاستيعاب ملايين العائدين، مما يجعلها أمام كارثة اجتماعية محققة في حال اهتزت العلاقة مع الخليج، وهو ما أشار إليه محللون في الصحافة المستقلة الدولية، مؤكدين أنّ مودي يضحي بالأمن الغذائي والمالي لملايين الهنود من أجل تحالف أيديولوجي ضيق مع كيان تزداد عزلته عالميا. ولكنّ الظاهر أنّ مودي لا يخشى هذا السيناريو في ظل معرفته بمواقف معظم حكام دول الخليج المتماهية مع المواقف الأمريكية من العدوان الصهيوني على غزة، واطمئنانة إلى قدرة هذه الأنظمة على قمع أي معارضة داخلية لسياساتها.
خلاصة واستشراف المستقبل
تقف الهند في عهد مودي على مفترق طرق خطير. فهي تضحي بمبادئها التاريخية، وتخاطر باستقرارها الاجتماعي والاقتصادي، وتضع نفسها في مواجهة مع القوى الصاعدة في الجنوب العالمي، كل ذلك من أجل تحالف مع نظام مارس الإبادة الجماعية ضد المدنيين في غزة. ويشير استشراف المستقبل إلى أنّ هذا التحالف سيواجه "مأزقاً هيكلياً"؛ فبمجرد أن يبدأ الاقتصاد العالمي في التحول نحو التعددية القطبية بشكل أكثر رسوخاً، ستجد الهند نفسها معزولة في "تحالف خاسر" مع الغرب وإسرائيل. إن النتيجة المتوقعة هي تآكل تدريجي في القوة الناعمة للهند، وتفاقم الأزمات الداخلية نتيجة ارتهان التكنولوجيا الأمنية للنموذج الإسرائيلي، وربما حدوث اضطرابات اجتماعية واقتصادية إذا ما انقلب "الرهان الخليجي" ضد مصالحها. إنّ سياسات مودي وحزبه لا تساعد الهند في بناء "قوة عظمى"، بل تقودها لبناء نموذج هش من التبعية الذي سيجعلها، عاجلاً أم آجلاً، تدفع ثمن خياراتها الأيديولوجية من استقرارها ومكانتها الدولية.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر