مقدسيةٌ أنا ، علاء مهنّا

مهند طلال الاخرس
2026 / 2 / 27

مقدسيةٌ أنا، رواية للشاعر والروائي علاء مهنّا، تقع على متن325 صفحة من القطع المتوسط وقد صدرت الطبعة الأولى منها عن دار الأهليّة للنشر والتوزيع، الأردن، عام 2011.

تتناول الرواية جانباً من حياة شريحة طلابية فلسطينية في القدس من حاملي الهوية الإسرائيلية، وما يواجهونه من إشكالات تتعلق بالهوية، ومعنى النضال وأساليبه وادواته واشكاله

عائشة المقدسية وبطلة الرواية طالبة في الجامعة العبرية في القدس نشأت في بيئة متحررة من القيود الاجتماعية ومن العصبات العائلية والعشائرية والطائفية، تقع في غرام زميلها ابراهيم في الجامعة ، ولتصنع حبكة الرواية جيدا كان لابد لابراهيم ان يكون من طائفة اخرى[درزي] وهنا تبدا احداث الرواية بالتوالد؛ حيث تبدا المشاكل التي تواجه عائشة وابراهيم، وتتصاعد ءروة هذه المشاكل وتتعقد مع تقدم ابن عمها جابر لطلب يدها للزواج، فتثور ثائرة عائشة حين تعلم باسباب ابيها لاخذ ظهلة للرد، كانت عائشة منصدمة حين علمت بان هناك وعد من والدها بتزويجها لابن عمها منذ الولادة، وليس هذا وحسب؛ بل انه تمت قراءة فاتحتها على ابن عمها برعاية جدها في حينه، والذي بقيت وصيته عالقة في اذان الحاضرين بضرورة اتمام هذا الزواج على كبر...

ترفض عائشة هذا الزواج علانية ، وتصر على تاديب ابن عمها جابر لمجرد تجرأه على هذا الطلب، تحدث المفارقات فيستشهد والد عائشة، وهو الحامي والسند في مواجهة هذا الموضوع وحريتها واستقلالها عموما في صورة مجازية مكثفة تشبه موت زعامات عربية كبيرة وترك فلسطين وحيدة تجابه الوحوش والغيلان من الصهاينة ،...

تتداخل الامور وتتعقد وتبدا حملة تشهير وتعريض بسمعة عائشة، وتبقى الامور ضمن المتناول والمستوعب إلى ان تلم بوالدتها وعكة صحية خطيرة وتدخل والدتها على اثرها المستشفى لمدة شهرين ، والى ان تتم معرفة هوية وطائفة ابراهيم الدرزي صديق وحبيب عائشة تتفجر المشكلة الكبرى، وهنا تثور ثائرة الجميع؛ ومع ذلك تتحدى عائشة كل هذه القيود المجتمعية والعائلية متفتحة اكثر واكثر على الحالة الوطنية الاسمى والاشمل...

لكن رغم ذلك تثور المشاكل وتعترض سبل اتمام زواج عائشة من ابراهيم، اولها مشكلة الدروز وولائهم لاسرائيل وذلك من خلال مناقشة صفحات الرواية لطبيعة هذه العلاقة وتاريخها ودوافعها ولاسيما الامر الشائك والجلل الخدمة في صفوف جيش الاحتلال والتي تتفاقم بين عائشة وابراهيم حين تجد ابن عمه راجي وهو الجندي في جيش الاحتلال جالسا بزيه العسكري وبندقيته على سريرهم ....

وتثور الاسئلة والنقاش [الغير مقنع روائيا ولا تاريخيا ولا فكريا ولا دينيا مما اضعف الحبكة واغقدها كثيرا من خيوط الرواية المتولدة جراء هذا الطرح الجريء والمهم] .. لكن يسحل للكاتب نجاحه في تبرير استمرا العلاقة والحوار على صفحات الرواية بين عائشة وابراهيم ...

يحدث المنغص الثاني في حياة عائشة، تسلم العائلة اخطارا بهدم المنزل ، وتحدث التداعيات والمظاهرات ويتكفل الجيش بالهدم وباعتقال المتظاهرين؛ وهنا تحدث المفارقة بان يكون بين الجنود الموكلين بالهدم والاعتقال للمتظاهرين راجي سبب احد الاشكالات بسبب قبوله التجنيد بجيش الاحتلال ، فينتصر للمظلومية ولابن عمه ويتصدى لتفراد الجيش الذين انهالوا على المعتصمين بالهروات...

تكتمل مصائب عائشة بعد خروجها من الاعتقال والاغماء عليها لتستفيق وتجد مصيبة اخرى، قيام جابر بالاعتداء على ابراهيم وطعنه على ابواب مستشفى هداسا...

تفرد صفحات الرواية معظم احداثها لطرح مشكلة التمرد على العادات الاجتماعية المعقدة ولا سيما الية التعاطي مع اخواننا الدروز من خلال طرح القضية الشائكة زواج عائشة من ابراهيم ... وعائشة وإبراهيم في هذه الرواية أثبتا ان الحب كما قالت احلام مستغانمي:" هو ذكاء المسافة، الحب الذي ينتهي بالصداقة. حب الوطن الذي ينتصر ويسيطر على كل حب."

عائشة تلك الفلسطينية المتمردة على العادات والتقاليد متمردة على شكل الحرف وقافية القصيدة ، التي فقدت أباها وبيتها وحبها الحقيقي جراء الاحتلال وسطوته ولكنها أبدا لم تفقد الحلم والأمل، لم تتخل يوما عن ثوريتها وقوتها ..

هذه الرواية تبين مدى الانقسام الذي يثيره الاحتلال بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد عبر التجنيد الإجباري للدروز الذي يثير الحقد ويعمق الفرقة والانقسام.

ورغم ان الرواية نسوية من الطراز الرفيع وكتبت بلسان بطلتها عائشة إلاّ انها تُقدَّم على هيئة سيرة شبه ذاتية لراويها [الشاب، المؤلف]، مما حد من شاعريتها و طابعها الانوثية، فالتعابير والحوارات رغم لغتها الشعرية الا انها جائت جافة وتفتقد للديناميكية وحادت الملامح ، وهذا ظاهر بشخصية عائشة وارتفاع سقفها بالتمرد على قيم المجتمع وعاداته رغم خطورة الوضع والحدث ، وهذا الامر لوحده لاعطي لانثى لما قدمته بهذا الشكل بل ما يتلائم مع غريزتها ورقتها كأنثى، وهذه سمة لا تتوفر للرجال مهما اجادوا..

تدخل هذه الرواية مناطق شائكة قلّ ما تمّ الإلتفات إليها روائياً، وتنطوي على نقد ذاتيّ عنيف، ومحاولة للتمرّد على القولبة النمطيّة الّتي تصنعها الطوائف والعشائر والإحتلال أيضاً، كما تطرح أسئلة حيويّة ومصيريّة تطال مناحي متنوعّة في الحياة، كما تتميّز هذه الرواية بأنّها تطرح الواقع السياسيّ للفلسطينيّ في علاقته مع الجدار الإسرائيلي، وتشظّي المجتمعات الأصلية، ومشكلاتها الإجتماعية.

الرواية تميزت بقدرتها على طرق موضوعات سياسية وفكرية شائكة وحساسة لم يُلتفت إليها كثيراً في المجال الروائي او ان المعظم تفادي الاشتباك مع هذا الواقع طبقا لاعتبارات كثيرة .

ويؤخذ على الرواية انها احادية وجهة النظر؛ اذ انها رصدت حجم المعاناة داخل عائلة عائشة المسلمة ورصدت ردات الفعل العائلية والمجتمعية من قبل الاطراف المسلمة ذات العلاقة على مسالة صداقة او زواج عائشة المسلمة من ابراهيم الدرزي، بينما لم تقدم الرواية اي نموذج او رد الفعل في جانب العائلة الدرزية لابراهيم ردا على صداقته او محاولته للارتباط بعائشة، وهذا اضعف من سياق الرواية وافقدها قدرتها على ادخالنا في اجواء الحياة الخاصة لاهلنا واخواننا الدروز خاصة بما تحتويه من تعاليم وطقوس وعادات وتقاليد واصول؛ كان لو تم توظيفها لاسهمت حقا برفع مستوى التشويق بالرواية، علاوة على اسهامها باطلاع الكثيرين من القريبين والبعيدين على حد سواء على سمات وميزات المجتمع الدرزي ، ومدى ارتباطه الوثيق والاصيل بالعروبة ...

وان التفرقة التي تمارسها اسرائيل بحق المجتمع العربي الفلسطيني تصيب الجميع في مقتل، وهذا ما يجب على الجميع ان يعيه ويعمل جاهدا لتفاديه ولتحصين جبهته الداخلية، وهذا لن يتم مالم نتفق على هوية وطنية جامعة؛ واعتقد جازما انها موجودة ومتأصلة ومتجذرة، لكن تأبى قوى الظلام إلاّ ان تعبث بها وتعيد تحريك الوتد كلما احتاج الاحتلال واعوانه الى ذلك.

#مهند_طلال_الاخرس

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي