|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

زكريا كردي
2026 / 2 / 27
تدور هذه المرة، حول التفكر قليلاً، في معركة تفكيك الوعي :
-----------------------------
لم يعد خافياً على أيّ متبصر عاقل ، أن الحروب الحديثة - و حتى أمد قريب - لم تعد تعتمد على حشد الجيوش ذات المعدات الثقيلة ، ولا على رصف المدافع الكبيرة التي تُسمع أصواتها من بعيد .. .
فقد بات اليوم السلاح الأمضى و الأكثر فاعلية ، هو سلاح المعلومات، والاهم حسن استخدام قوة المعرفة ..
يرافقه قطعاً ، سلاح القدرة على التحكم بوحش الاعلام ، الذي يعمل بحنكة شديدة، وفتك صامت ، داخل غابات العقول المستهدفة ، والاذهان المُراد تشكيلها حسب الهدف الموضوع ..
وبالتالي إعادة تشكيل الوعي الجمعي المقصود ، بما يخدم مصالح القوى الكبرى ، أو الجهات النافذة ، ومراكز القرار الساعية إلى السيطرة ـ والتحكم التام ، حتى لو تطلب هذا الأمر ، تفتيت الدول أو إضعافها ، أو إلغاءها تماماً ..
- انها القوى القوية القادرة ، التي لا تتورّع - في سبيل تحقيق أهدافها - عن استخدام أية أدوات فعالة جداً، أو طرق فكرية استراتيجية جهنمية ، و التي قد لا تقل خطورة عن أي ترسانة عسكرية ساحقة ماحقة ..
ولعل ابرز الطرق الحديثة ، المستخدمة في التحكم بالمجتمعات المتأخرة في كل شيء تقريبا - في تقديري :
- التحكم بالعمل الاعلامي كأداة فعالة في نشر " وباء الطائفية " أو " إحياء السُّعار الديني الأصولي " في أفهام الناس، وإشاعة ثقافة التكفير، وتمجيد نصوص الجهل المقدس، و إحياء الاعتزاز بتاريخ البغضاء الديني المظلم ، وإيقاظ الفخر الاعمى ، بتاريخ الغزو و الموت والارهاب التكفيري ..
- في زعمي "الطائفية الدينية" هي اهم وانجع سلاح يمكن أن يستعمل ضد شعب ما ، بل اخطر وباء قاتل، يمكنه الفتك بالجماعات المتعددة دينيا أوعرقيا أو ..
وذلك لأن جرثومة " الطائفية " ، تُعيد تعريف المجتمع البشري ، على أساس الانقسام الايماني الاعتقادي ، لا على أساس المواطنة ..
أي إنها أداة فعالة خبيثة ، تستطيع ان تُحوّل - بسهولة - الاختلاف بين الناس إلى تهديد جمعي عام ، وتُحوّل التنوع المنسجم فيهم ، إلى ساحة صراع وجودي كاره بعمق اجتماعي مشروع...
لذلك أعتقد ، انه مع كل شرخ طائفي يتسع ، تتراجع إمكانية بناء مشروع وطني جامع، ويصبح الباب مفتوحا أمام التدخلات الخارجية ، التي تجد في الانقسام فرصة ذهبية للهيمنة..
- ثم تأتي الضربة القاصمة لآخر ما تبقى من أرضية مشتركة بين افهام الناس .. وهي بث نظريات التشكيك بقدرات العقل والتشويش على نظريات العلم، من خلال تقديس الجهل وتعظيم الخرافات والاساطير الدينية.. وتعزيز كراهية الفلسفة ، وتسخيف نظريات و منجزات العلم ( التطور وغيرها).. وتحريم النقد أو تسفيه السؤال ، والعمل على التشكيك المستمر في قدرات العقل الانساني ، بل وحتى تشجيع البسطاء - عبر منابر خطابية جاهلة - على تسفيه جدوى العلم الدنيوي برمته ..
- وبالطبع، حين يُمَجَّد الجهل ، ويصبح العقل النقدي خطرا ، و السؤال جريمة، و الشك بالمسلمات كفرا بواحاً، سيُعاد تشكيل الوعي بحيث يُفضّل الناس التبعية على التفكير..والطاعة على الاعتراض ..
وتكون أفهامهم ذات معايير مناسبة للهزيمة المرسومة والأكيدة .
- والسبب هو ان العلم - في تقديري - ليس مجرد معارف، بل هو معيار للحقيقة. .وحين يُضرب هذا المعيار، يصبح كل شيء قابلاً للتلاعب والتزوير ، ( التاريخ، الصحة، الاقتصاد، وحتى الأخلاق..
وهكذا ، يُفقد المجتمع بوصلته، ويغدو عقل الانسان عاجزاً عن التمييز بين الواقع والوهم..
قصارى القول :
إن اجتماع كل هذه الأدوات - سالفة الذكر - لا يؤدي - في تصوري - فقط إلى إضعاف الدولة ، بل إلى تدمير القدرة على التفكير المشترك، وإلى تفكيك الروابط التي تجعل من الناس مجتمعاً متناحراً ، لا مجرد أفراد متجاورين على وئام ما ...
بعبارة واحدة :
إنها حرب على الوعي قبل أن تكون حرباً على الجغرافيا ،
وحرب على قيمة ووعي الإنسان، قبل أن تكون حرباً شعواء على الدولة.
zakariakurdi
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |