|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 26
1- مدخل مفاهيمي
شدّني عنوان دراسة رصينة موسومة بـ «حراس الفجر: دراسة سوسيولوجية واقتصادية وصحية لواقع العمالة الليلية في قطاعي النظافة والمخابز»، الصادرة عن ملتقى النبأ للحوار في كربلاء المقدسة. إنه عنوانٌ يختزل عالمًا كاملًا من الجهد الصامت الذي يتحرك في الظل بينما ينام الآخرون.
وانطلاقًا من ذلك، يشير مفهوم الاقتصاد الليلي (Night Economy) إلى مجمل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجري بين السادسة مساءً والسادسة صباحًا. وهو لا يقتصر على الحانات أو الملاهي كما قد يُتصوَّر، بل يشمل المطاعم، والمسارح، والمعارض الفنية والحرفية، والحفلات الموسيقية، والمتاجر العاملة ليلًا، وخدمات النقل، بل وحتى بعض القطاعات الصحية واللوجستية.
2- بين العائد الاقتصادي والقيمة الثقافية
في ظل «اقتصاد المعنى»، لا بد من الوقوف عند المعادلة الدقيقة بين العائد الاقتصادي والقيمة الثقافية لاقتصاديات الليل.
ففي مدن كبرى مثل لندن ونيويورك وبكين، يدرّ الاقتصاد الليلي مليارات الدولارات سنويًا ويوفّر مئات الآلاف من فرص العمل. غير أنه لا يُقاس بالأرقام وحدها ، إذ يعزّز الإبداع، ويوسّع مساحات التفاعل الاجتماعي والفني، ويمنح المدن هوية نابضة بالحياة.
ولهذا تبنّت بعض المدن استراتيجيات «24/7»، أي المدينة التي لا تنام، مع مراعاة معادلة دقيقة بين الأمن والنقل والاندماج الاجتماعي. فالاقتصاد الليلي يدعم السياحة وقطاع الضيافة، ويوفّر فرص عمل خارج الأطر التقليدية، ويقوّي الصناعات الإبداعية، ويعزّز الروابط الاجتماعية عبر الفضاءات العامة.
ومع ذلك، فإن هذه الحيوية لا تخلو من تحديات ،فثمة مخاطر تتصل بالأمن وضعف الحماية، ومشكلات في البنية التحتية، ولا سيما نقص النقل الليلي، فضلًا عن الحاجة إلى توازن حساس بين الضوضاء وراحة السكان، وبين التراخيص والضبط الحضري.
3- الحوكمة الليلية: من «عمدة الليل» إلى التخطيط المنضبط
أنشأت مدن مثل برلين وأمستردام وسيدني منصب «عمدة الليل» أو مكاتب متخصصة لإدارة هذا القطاع، إدراكًا منها أن الليل يحتاج إلى حوكمة مختلفة لا تقل أهمية عن إدارة النهار.
أما في الصين، فتقدم المدن الكبرى إنموذجًا منضبطًا للاقتصاد الليلي ،إذ بلغ حجم سوق السياحة الليلية نحو 1.57 تريليون يوان عام 2023، مع ارتفاع نسبة فتح المواقع السياحية ليلًا إلى أكثر من 56%. كما أُنشئت «مناطق تجمّع الاستهلاك الثقافي والسياحي الليلي» التي تجاوز عددها المائة منطقة خلال ذلك العام.
واللافت في التجربة الصينية هو حيوية الأسواق الليلية (Night Markets) بوصفها فضاءات للاستهلاك وللتواصل الاجتماعي معًا. فالشباب العاملون بنظام «996» وهو توصيف شائع لجدول عمل مكثّف يعني العمل من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً لستة أيام في الأسبوع (نحو 72 ساعة عمل أسبوعيًا) ،حيث يجدون في الليل متنفسًا يعيد التوازن النفسي والاجتماعي. وقد ظهر هذا المصطلح في أوساط شركات التكنولوجيا، وأصبح رمزًا لثقافة العمل المفرط والسعي العالي للإنتاجية، مثيرًا جدلًا حول آثاره الصحية والاجتماعية.
ومن ثمّ يتحول الليل، في هذا السياق، من وقتٍ للفراغ إلى زمنٍ للإبداع والتجدد الحضري، بل إلى مساحة تعويض نفسي واجتماعي تعزز بدورها ازدهار الاقتصاد الليلي.
4- بغداد – التاريخ الرمزي وتحديات التنظيم
أما بغداد، فالمسألة أكثر تعقيدًا. فالحياة الليلية فيها ليست مجرد أضواء وموسيقى، بل ترتبط بالقانون والدين والمجتمع والأمن. إنه ملفٌ حساس يكشف قدرة الدولة والمجتمع المدني على إدارة التعدد ضمن إطار القيم.
ورغم التحديات، تمتلك بغداد نواة طبيعية لاقتصاد ليلي بطابع اجتماعي واضح: المطاعم المتنوعة، والمقاهي الممتدة على ضفاف دجلة، واللقاءات العائلية التي تمنح الليل بعدًا اجتماعيًا سلميًا. غير أن ضعف النقل الليلي، والهواجس الأمنية، والقيود الاجتماعية، تحدّ من توسّع هذا الاقتصاد.
5- نحو رؤية عراقية للاقتصاد الليلي
يمكن لبغداد ومدن العراق الكبرى أن تستلهم التجارب العالمية دون استنساخها، عبر:
أ- تسريع تطوير مناطق ثقافية ليلية آمنة ذات طابع تراثي، على غرار شارع المتنبي وشارع الرشيد.
ب- تنظيم مهرجانات فنية وموسيقية تعكس الهوية العراقية ضمن خطط ثقافية مُعدّة سلفًا.
ج- تحسين خدمات النقل ضمن تخطيط مرحلي متدرج.
د- إشراك المجتمع المحلي، ومنظمات المجتمع المدني، والاتحادات، والنقابات ذات العلاقة في رسم السياسات الخاصة بالاقتصاد الليلي.
وبناءً على ما تقدم، لا ينبغي أن يكون الاقتصاد الليلي استيرادًا ثقافيًا (stereotype)، بل نموذجًا وطنيًا (prototype) متجذرًا في الذاكرة الاجتماعية والهوية الوطنية، ومرتبطًا بعمق الحضارة العراقية تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
6- وأخيراً، البعد التنموي والاستراتيجي
إن الاقتصاد الليلي ليس نشاطًا بعد الغروب فحسب، بل هو اختبار لقدرة المدينة على إدارة التعدد، وتحقيق التوازن بين الحرية والنظام، وبين السوق والقيم. وهو كذلك أداة لرفع معدلات التشغيل، وتقليص البطالة، وتعظيم سلاسل القيمة المضافة اقتصاديًا واجتماعيًا.
فالتجربة الصينية تقدم نموذجًا اقتصاديًا منظمًا، فيما تقدم أوروبا نموذجًا حوكميًا تشاركيًا. أما بغداد، عاصمة الدنيا ورمح الشرق القوي، فتمتلك طاقة رمزية واجتماعية كبيرة، تحتاج إلى رؤية وعمل مؤسسي مستدام عالي التكامل كي تتحول من تراثٍ كامن ساكن إلى واقعٍ ديناميكي مزدهر، وربما إلى نموذج فريد في اقتصاد الليل في شرق المتوسط.
ختامًا، إنه الاقتصاد الليلي… سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة عالية التقلب.