البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أول حب عرفته طفولتي)

مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 25

كان ربيع العام 1953 عامًا نادرًا ,حين اصطدمت طفولتي بمياه بحيرة زرقاء عذبة المنظر. تسلّقت حافلتنا تلالًا تلامس بدايات الهضبة الغربية من العراق، ثم انسلت بنا على طريقٍ مُعبَّدٍ ببساطة بين مرتفعاتها، ليباغتنا مشهدٌ انطبقت فيه زرقة السماء عند الظهيرة على زرقة المياه.
كانت الطبيعة تصرخ صرخاتٍ غائرة في السكون، في علاقة وئامٍ لوني بين السماء والماء. إنها البحيرة… لا أدري لماذا شعرتُ كأنني قريب من مناخات أوروبا حين رأيتُ من بعيد سيدةً وسيدًا يمتطيان حصانين بلونٍ واحد. عرفتُ أنهما من بقايا القوة الاستعمارية التي أسّست لنفسها موقعًا في هذه البقعة الجميلة من حوض الرافدين.
وبين تقلبات السكون، رقد قصرٌ ملكي يعود إلى عصر المملكة في بلادي، يمثّل استراحة العائلة المالكة آنذاك. كان المكان خاليًا من الناس، وكانت السياحة إليه في تلك الفترة فرصةً حياتية نادرة.
ركضتُ طويلًا على امتداد الرمال المنتظمة المحيطة بالشاطئ، وربما كنتُ الطفل الوحيد الذي يصرخ في أذن البحيرة الغارقة في سكونها ليوقظها:
نحن أهلكِ يا أيتها المياه الدافئة… سنزوركِ كثيرًا في مستقبل الأيام، ونتعمّد بمياهكِ في أُلفة الوطن.
غادرتها عند الغروب، حين كانت الشمس تنحني لتقبّل صفحة الماء، وكانت تلال الهضبة الغربية تهبط بنا نحو أرض وادي الرافدين. لكن قلبي ظل يهمس: أراكِ يا بحيرتي تستعيدين شيئًا من بهجتك الأولى. كأن الطفولة لم ترحل، بل اختبأت في موجةٍ صغيرة تنتظر أن ألمسها. مددتُ عينيَّ إلى الأفق، فشعرتُ أن قلبي هو الشاطئ، وأنكِ أيتها البحيرة ما زلتِ تسكنينه كما سكنتِ يومها عينيّ الصغيرتين.
مضت سبعون عامًا ، وأنا أتساءل عن أصدقاء طفولتي التي جدّدت سنواتها أمواج الفرات. لكنني علمتُ أنها تبكي دمعًا في ليلها قبل نهارها، لتعوض ما فاتها من إكسير وجودها: زرقة لونها، وعلوّ كعب موجها، ثم تناقصه… بعد أن اغترب الفرات عنها، يلامسها بحنين الحاضر المثقل بالهموم.
يا زرقةً علّمتني معنى الانتماء، ويا ماءً حمل اسمي سرًّا ثم أعاده إليّ نداءً خافتًا… إن تغيّر الزمان، وإن اغترب الفرات، فحبّي لكِ لا يغترب. سأبقى أعود إليكِ كلما أثقلني العمر، لأغتسل بصفائك، وأستعير من موجك نبضًا جديدًا، وأهمس:
وما زلتِ الوطن حين يضيق الوطن، والحلم حين يتعب الحلم… إنّها زرقةُ وطني ،تلك التي لم تعلّمني الحياة فحسب، بل علّمتني كيف أحبّها.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي