هل عادت واشنطن إلى رشدها في العراق؟

كرم نعمة
2026 / 2 / 25

بعد 23 عاماً على احتلال العراق، تتصرف واشنطن كما لو أنها عادت إلى رشدها، أو كما لو أنها مراقب متحفظ على حافة المشهد، يتأمل خراباً لم تصنعه يداها. لكن الوقائع لا تسمح بهذا التبرؤ الناعم الولايات المتحدة ليست شاهداً على الجثة السياسية العراقية، بل هي الجرّاح الذي أجرى العملية، ثم ترك المريض ينزف في غرفة مظلمة وغادر. كل ما تفعله اليوم لا يتجاوز إدارة هذا الجسد المتهالك بحيث لا ينهار تماماً ولا يتعافى تماماً. إنها سياسة «الإبقاء على النبض» لا سياسة «إعادة الإحياء»، سياسة إدارة جثة سياسية لا مشروع إحياء دولة.
يكفي أن نتذكر أن بول بريمر، الحاكم المدني الأميركي للعراق بعد 2003، لم يكن مجرد موظف عابر، بل المهندس الأول لقرار حلّ الجيش العراقي، وتفكيك مؤسسات الدولة، وفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي ملأته الميليشيات والأحزاب المرتبطة بإيران. القرار لم يكن خطأً تقنياً، بل خياراً استراتيجياً، تدمير الدولة القديمة من دون امتلاك نموذج بديل سوى تسليم السلطة لقوى طائفية تعتبر العراق غنيمة لا وطناً. من تلك اللحظة، لم يعد السؤال: لماذا فشل العراق؟ بل: كيف يمكن أن ينجو بلد صُمِّم بهذه الطريقة من الفشل؟
ثم جاء الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأميركية في العراق بين 2007 و2008، ليعترف أمام الكونغرس بأن النفوذ الإيراني تمدد داخل مؤسسات الدولة العراقية «بسبب غياب الدولة نفسها». شهادة قائد عسكري بهذا الوزن ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل إقرار بأن واشنطن كانت ترى طهران تدخل من الأبواب والنوافذ، لكنها فضّلت التعامل مع ذلك كـ«تكلفة جانبية» لاحتلالها. في تلك السنوات، كانت الميليشيات الشيعية تُستخدم كأداة في مواجهة القاعدة، ثم تُترك لتتحول إلى سلطة موازية للدولة، بل أعلى منها.
وعندما قررت إدارة باراك أوباما الانسحاب عام 2011، فعلت ذلك كما ينسحب مستثمر فاشل من مشروع خاسر، من دون أي مسؤولية أخلاقية أو سياسية عن النتائج. بريت ماكغورك، المبعوث الأميركي الخاص للتحالف الدولي ضد داعش، اعترف لاحقاً بأن إيران «كانت اللاعب الأكثر تأثيراً في بغداد» بعد الانسحاب بعد أن ترك لها نوري المالكي رئيس الوزراء انذاك بوابات العراق مشرعة على سعتها، وأن واشنطن «لم تكن تملك أدوات ضغط حقيقية». هذا الاعتراف لا يكشف فقط عن عجز، بل عن حقيقة أعمق: الولايات المتحدة سلّمت العراق عملياً لإيران، ثم عادت بعد سنوات لتتحدث عن «الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار» كما لو أنها فوجئت بما حدث.
اليوم، يخرج جوشوا هاريس، القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، ليقول إن «أي حكومة عراقية ينبغي أن تبقى مستقلة بالكامل». العبارة تبدو كأنها تمرين في السخرية السياسية: واشنطن تطلب من بغداد أن تكون مستقلة، بينما هي التي نزعت عنها استقلالها الأول، ثم أعادت تشكيل نظامها السياسي على أساس المحاصصة والولاءات الخارجية، نظام مشكل على كل شيء إلا الوطنية العراقية. إنها مطالبة تشبه أن يطلب مهندس انهيار مبنى من سكانه أن «يحسنوا استخدام المساحة المتبقية».
الولايات المتحدة تتحدث الآن عن «مواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار»، لكنها لم تواجه هذه الأنشطة عندما كانت في طور التكوين. إدارة جورج بوش الابن اعتبرت «المجلس الأعلى» و«حزب الدعوة» و«فيلق بدر»—وهي أحزاب وميليشيات مرتبطة بإيران—شركاء طبيعيين في «العراق الجديد». هذا التحالف المؤقت أنتج نظاماً سياسياً يقوم على المحاصصة الطائفية، ولم تكن تقوم قائمة لهذه الأحزاب من دون تحطيم عراقية العراقيين على حساب طائفيتهم. وهو النظام الذي وصفه تقرير «مكتب المفتش العام لإعادة إعمار العراق» (SIGIR) بأنه «بيئة مثالية للفساد المنهجي وإهدار الموارد». حتى وصل وصفت صحيفة نيويورك تايمز البنك المركزي العراقي بـ “نظام الصرف الصحي للدولار المهرب” الفساد هنا ليس عرضاً جانبياً، بل جزء من التصميم: نظام لا يمكن أن ينتج دولة، بل شبكة مصالح.
حتى اليوم، ما زالت واشنطن تتحدث عن «إعادة التوازن» في العراق، وكأن التوازن لم يُكسر بيدها أولاً. أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي السابق، كان يقول إن الولايات المتحدة «تعمل مع الشركاء العراقيين لتعزيز السيادة». لكن أي سيادة يمكن تعزيزها في نظام سياسي بُني أصلاً على توزيع الحصص بين قوى مرتبطة بالخارج؟ السيادة في هذا السياق تتحول إلى كلمة فارغة تُستخدم في البيانات، بينما القرار الحقيقي يُصنع في طهران.
العراق بالنسبة لواشنطن يشبه تلك الرياضات التي تحدث عنها تشاك كلوسترمان في كتابه “رياضات كانت في قلب الخيال الأميركي ثم تراجعت إلى الهامش. لا تختفي تماماً، لكنها تفقد مركزيتها”. العراق لم يعد ملفاً استراتيجياً من الدرجة الأولى، بل عبئاً جيوسياسياً لا يمكن التخلص منه ولا يمكن الاستثمار فيه من دون الوصول إلى المعادلة الصفرية وتحطيم معبد العملية السياسية على رؤوس مشيديه بدأ من الدستور المسخ حتى تقسيم المناصب على الطوائف. لذلك تكتفي واشنطن بإدارة الأزمة، لا حلّها؛ بضبط الإيقاع، لا تغيير اللحن. تريد عراقاً لا يهدد مصالحها، ولا يقع بالكامل في يد إيران، ولا يمتلك من القوة ما يسمح له بالخروج من المدار الأميركي. عراقاً يبقى في «منطقة رمادية» تُدار ولا تُشفى.
والنتيجة أن العراق اليوم ليس دولة فاشلة فقط، بل دولة فُشِّلت عمداً. دولة تُركت لتتحول إلى ساحة نفوذ إيراني، ثم يُطلب منها فجأة أن تكون «مستقلة». دولة تُدار فيها السياسة بمنطق الغنيمة، ثم يُقال لها إن «المصالح الوطنية» يجب أن تكون الأولوية. دولة تُحكم بميليشيات تمتلك السلاح والمال والقرار، ثم يُطلب منها أن تتصرف كدولة طبيعية تحكمها مؤسسات وقوانين.
الحقيقة القاسية أن واشنطن لا تريد إصلاح خطئها في العراق، لأنها لو اعترفت به لاضطرت إلى إعادة النظر في مجمل سياستها في المنطقة. هي تريد فقط أن تمنع هذا الخطأ من الانفجار في وجهها، وأن تبقي الجثة في حالة «استقرار نسبي» يسمح باستمرار المصالح من دون كلفة سياسية عالية. بعد 23 عاماً، لم تعد المشكلة في ما فعلته الولايات المتحدة، بل في ما ترفض الاعتراف بأنها فعلته. أما العراقيون، فهم وحدهم من يعيشون في الملعب الحقيقي، حيث لا توجد مقاعد مريحة، ولا شاشات عملاقة، ولا صافرة نهاية، وحيث لا أحد يملك ترف الادعاء بأنه مجرد متفرج.
مع ذلك دعونا نترقب إن كانت واشنطن عادت فعلا إلى رشدها وستكفر عن احتلالها للعراق بانقاذه هذه المرة من سطوة إيران، دعونا نترقب!

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي