|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 2 / 25
بينما كانت شوارع ميونخ تغلي بتظاهرات القوى التقدمية والنقابات العمالية المنددة بعسكرة الاقتصاد، اجتمعت النخب الإمبريالية وكبار مقاولي الدفاع في فندق "بايريشر هوف" (13-15 فبراير 2026) تحت شعار يقطر مرارة: "تحت التدمير" (Under Destruction). لم يكن المؤتمر بحثاً عن السلام، بل كان اجتماعاً لـكارتيل دولي يخطط لإدارة الانهيار العالمي بما يضمن بقاء مراكز النفوذ الرأسمالي التقليدي عبر عقيدة القوة.
. مسرح العمليات: حشد "الرؤوس" وسياق التفكك
انعقد المؤتمر في لحظة مفصلية؛ حيث تآكلت الديموقراطيات الليبرالية من الداخل بفعل الأزمات الاقتصادية. إذ نحضر المؤتمر أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، لكن الثقل الحقيقي كان لـ التحالف الأنجلوسكسوني (واشنطن ولندن) الذي تحرك ككتلة واحدة لفرض وصاية أمنية ومالية على القارة الأوروبية، في مواجهة محاولات فرنسية يائسة للحفاظ على استقلالية القرار القارّي.
. كلمات الزعماء: "مانيفستو" العسكرة والواقعية الصلبة
كشفت التصريحات عن وجوه إمبريالية متباينة في الأسلوب، ومتفقة على تحويل العالم إلى ثكنة عسكرية:
ماركو روبيو (وزير الخارجية الأمريكي): تحدث كـ "وصي إمبراطوري" زاجراً الحلفاء: "زمن الاعتماد المريح قد انتهى؛ نحن في مرحلة جيوسياسية جديدة، وعلى أوروبا أن تختار بين التلاشي الحضاري أو التحول إلى شريك حقيقي يدفع ثمن أمنه بالكامل."
كير ستارمر (رئيس وزراء بريطانيا): قدم "مانيفستو" العودة البريطانية من بوابة الأمن، قائلاً: "بريطانيا هي الركيزة الاستراتيجية لأوروبا. نحن نقترح ميثاقاً أمنياً شاملاً يدمج قدراتنا الاستخباراتية والنووية مع الاتحاد الأوروبي، لأن أمن حدودنا هو خط الدفاع الأول عن قيمنا الرأسمالية المشتركة."
إيمانويل ماكرون (الرئيس الفرنسي): قاد جبهة الرفض للتبعية المطلقة، محذراً من "الموت السريري للسيادة الأوروبية": "لا يمكن لأوروبا أن تكون مجرد زبون أمني لواشنطن أو ملحقاً استراتيجياً للحلف الأنجلوسكسوني. إذا لم نبنِ استقلالنا الدفاعي والنووي الخاص، فسنصبح مجرد ساحة خلفية لصراعات القوى العظمى."
أورسولا فون دير لاين (رئيسة المفوضية الأوروبية): تبنت رؤية "عسكرة المجتمع"، قائلة: "الدفاع المشترك ليس خياراً بل التزام.. يجب تحطيم الجدار بين القطاعين المدني والعسكري؛ فالتكنولوجيا التي تدمر 80% من ساحات المعركة اليوم يجب أن تكون في قلب نظامنا الإنتاجي."
رادوسلاف سيكورسكي (وزير خارجية بولندا): قال بلهجة تحريضية: "التردد في ميونخ اليوم هو دعوة للدبابات غداً. السلام لا يُصان بالمعاهدات، بل بمدى الرعب الذي يمكننا إلحاقه بالمعتدي."
. الميثاق البريطاني واغتيال النفوذ الفرنسي (التحليل المعمق)
يعد مقترح كير ستارمر لـ "ميثاق أمني أوروبي-بريطاني" أخطر مخرجات المؤتمر، حيث يمثل انقلاباً أنجلوسكسونياً ناعماً يستهدف تصفية السيادة الفرنسية. ويسعى الميثاق لربط أمن القارة بالقدرات البريطانية (المرتهنة تقنياً لواشنطن)، مما يفرغ مشروع ماكرون من محتواه. وتجد فرنسا نفسها معزولة بين مطرقة "الواقعية العسكرية الألمانية" وسندان "التبعية الأنجلوسكسونية البريطانية"، مما يضمن بقاء القرار الأمني الأوروبي تحت "المظلة الأطلسية" وتدفق ميزانيات الدفاع نحو شركات السلاح الأنجلوسكسونية.
. موقف الخصوم وردود أفعال المعسكر الشرقي
لم يمر المؤتمر دون ردود فعل حازمة من القوى المستهدفة، والتي رأت في اجتماعات ميونخ "إعلان حرب" مغلفاً بالدبلوماسية:
روسيا: وصفت الخارجية الروسية المؤتمر بأنه "اجتماع لمديري الجنازة لنظام عالمي يحتضر". واعتبر الكرملين أنّ تصريحات ميرتس عن "أقوى جيش في أوروبا" عودة للنزعة العسكرية الألمانية التي دمرت القارة سابقاً، مؤكداً أنّ عسكرة أوروبا لن تزيد روسيا إلا إصراراً على حماية مجالها الحيوي.
الصين: حذرت بكين من أنّ تحويل تايوان إلى "أوكرانيا آسيوية" في خطابات روبيو سيكلف الاقتصاد العالمي 10 تريليونات دولار. ووصف وزير الخارجية الصيني أمننة التجارة بأنها "حمائية عدوانية تهدف لتقويض العولمة".
. انعكاس الاستراتيجية الصينية المضادة: الاحتواء المتبادل
بناءً على مخرجات ميونخ، ستنتقل الصين إلى استراتيجية الرد التكنولوجي المتماثل، وهو ما سينعكس على أوروبا كالتالي:
سلاح "المواد الحرجة": رداً على دمج الصناعات المدنية والعسكرية الأوروبية، ستُحكم بكين قبضتها على المعادن النادرة، مما سيؤدي لرفع تكلفة لعسكرة الأوروبية وجعلها مشروعاً مستحيلاً اقتصادياً.
تفتيت الوحدة الأوروبية بالاستثمار: ستعمد الصين إلى مكافأة الدول التي عارضت منطق ميونخ (مثل المجر أو بعض قوى الجنوب) عبر استثمارات ضخمة، مقابل معاقبة المحور الأنجلوسكسوني، مما سيحول القارة إلى ساحة صراع استثماري يمزق ما تبقى من وحدة الاتحاد الأوروبي.
. الجبهة الداخلية: صرخة النقابات العمالية
تزامن المؤتمر مع انتفاضة نقابية في الشوارع. وأصدرت الكونفدرالية العامة للشغل في فرنسا واتحاد النقابات الألماني بياناً وصف المؤتمر بـ "مهرجان السلاح على حساب الخبز". وأكدت النقابات أنّ رفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي هو "إعلان حرب على الطبقة العاملة"؛ فتمويل صواريخ ميرتس ومسيرات فون دير لاين سيتم عبر نهب صناديق التقاعد وخفض ميزانيات الصحة والتعليم.
. صدى المؤتمر في الصحافة العالمية
نيويورك تايمز: وصفت المؤتمر بـ "حفل طلاق ودي" للأطلسي القديم لصالح تحالف عسكري أكثر وحشية.
لو موند: حذرت من ضياع البوصلة الفرنسية في ظل الهيمنة الأنجلوسكسونية.
الصحافة اليسارية البديلة: اعتبرت ميونخ 2026 "استثماراً في الفناء البشري" لخدمة كارتيلات الموت.
. الخلاصة: نحو عالم "الكتل المنغلقة" والقمع الداخلي
سيدفع هذا المؤتمر العالم نحو "سباق تسلح تكنولوجي" مجنون. إننا نشهد ولادة نظام عالمي لا يحكمه القانون، بل عقيدة القوة الغاشمة، حيث تصبح الشعوب والنقابات حائط الصد الأخير ضد عالم يسير نحو الهاوية من أجل أرباح حفنة من الأباطرة الإمبرياليين.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |