|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 2 / 24
عُقد في القدس بين 3 و7 كانون الأوّل 2026 مؤتمر دولي واسع نظّمه مركز أصدقاء تراث القدس، وشارك فيه أكثر من ألف قسّ مسيحي إنجيلي قدموا من الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى، إلى جانب مسؤولين سياسيين ودبلوماسيين من دولة الكيان. ورغم الترويج له بوصفه فعالية دينية وثقافية، إلا أنّ تنظيمه وبرنامجه جاءا تعبيرًا فجًّا عن تحالف أيديولوجي بين الصهيونية السياسية والتيارات الإنجيلية المتطرفة، في واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ "الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي". أما خطابه، فكان سياسيًا تبريريًا، يشرعن الاحتلال ويمنح جرائمه غطاءً أيديولوجيًا ولاهوتيًا.
يقف خلف المؤتمر مايك إيڤانز، القسّ الإنجيلي الأميركي وأحد أبرز منظّري الصهيونية المسيحية ومؤسس شبكة "أصدقاء صهيون". وهو ليس رجل دين تقليديًا، بل فاعل سياسي يمتلك نفوذًا واسعًا داخل الأوساط الإنجيلية ومراكز التأثير في الولايات المتحدة، عمل لسنوات على تحويل الدعم الديني للاحتلال إلى قوة ضغط سياسية وإعلامية منظّمة. ومن خلال هذا المؤتمر، سعى إلى إنشاء شبكة دولية من رجال دين يُعاد توظيفهم للدفاع عن الرواية الصهيونية داخل مجتمعاتهم.
ولم يقتصر المؤتمر على جلسات خطابية داخل القاعات، بل امتد إلى برنامج ميداني محسوب بدقة. ففي 3 كانون الأوّل أُقيم حفل الافتتاح في مركز أصدقاء تراث القدس، وتضمّن كلمات ركّزت على "معركة الرواية" ودور الكنائس في خوضها. وفي 4 كانون الأوّل 2025 نُظّمت زيارة إلى موقع مهرجان “نوفا” قرب مستوطنة رعيم، وهو المكان الذي شهد هجوم 7 تشرين الأوّل 2023، حيث قُدّم الموقع ضمن سردية أمنية أحادية استُخدمت للتعبئة العاطفية والدينية. وفي اليوم نفسه شملت الزيارات مقبرة وزارة الدفاع الإسرائيلية في جبل هرتسل، حيث أُقيمت مراسم رسمية لوضع أكاليل الزهور على قبور الجنود، في خطوة هدفت إلى تعميق الارتباط الرمزي بالمؤسسة العسكرية وتقديمها ضمن خطاب أخلاقي–ديني.
تواصلت الفعاليات في 5 و6 كانون الأوّل عبر زيارات إلى مواقع دينية واستيطانية، وجلسات صلاة جماعية، ولقاءات مع مسؤولين إسرائيليين، ترافقت مع تدريبات على مخاطبة الإعلام واستثمار المنابر الكنسية في التأثير على الرأي العام ومواجهة الأصوات المنتقدة لإسرائيل. وفي 7 كانون الأوّل 2025 اختُتم المؤتمر بإعلان المشاركين "سفراء أصدقاء صهيون".
لم يكن اختيار القدس مكانًا لانعقاد المؤتمر تفصيلًا شكليًا، بل رسالة سياسية محسوبة. فالمدينة، بما تمثّله من جوهر للصراع ورمز للضم والاستيطان، استُخدمت مسرحًا لتكريس رواية واحدة تُقصي الشعب الفلسطيني وتُنكر حقه التاريخي في الأرض والوجود، وتتعامل مع القدس باعتبارها "عاصمة موحّدة" في محاولة مفضوحة لتطبيع هذا الادعاء عبر حشد ديني دولي واسع.
وجاء البيان الختامي ليؤكّد مضمون المؤتمر ووظيفته؛ إذ أعلن الالتزام العلني بدعم إسرائيل واعتبار ذلك واجبًا دينيًا، وتكليف المشاركين بالعمل كسفراء دائمين ينقلون خطاب المؤتمر إلى بلدانهم وكنائسهم، ويؤثرون في الرأي العام وصنّاع القرار. كما شدّد البيان على مواجهة ما سُمّي “حرب الرواية” عبر استخدام الخطاب الديني والإعلامي للدفاع عن السياسات الصهيونية، وتعزيز التنسيق المستمر معها. في المقابل، خلا البيان من أي إشارة للاحتلال أو الاستيطان أو الحصار أو الحقوق الوطنية الفلسطينية، في إقصاء كامل للرواية الفلسطينية واختزال للصراع في إطار ديني وأخلاقي أحادي.
غير أنّ أخطر ما في هذا المؤتمر ليس مضمونه فحسب، بل ادّعاؤه تمثيل المسيحية ذاتها. وهو ادّعاء قوبل بموقف كنسي جماعي واضح من كنائس القدس، التي رفضت، بصورة قاطعة، ما يُسمّى "المسيحية الصهيونية". فقد أكّد رؤساء الكنائس المسيحية في القدس أنّ هذا المسمّى لا وجود له في الأدبيات الكنسية ولا في القاموس اللاهوتي، وأنه ظاهرة دخيلة وخطيرة، تُسيء إلى الإيمان المسيحي وقيمه ورسالته.
وفي هذا السياق، عبّر المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، عن موقف كنسي جامع، لا رأيًا فرديًا، حين شدّد على أنّ المسيحية شيء، والصهيونية شيء آخر، وأنّ الجمع بين رسالة الإنجيل ومشروع استعماري قائم على القمع ونفي الآخر هو تشويه فاضح للإيمان. وأكد أنّ ما يجري تسويقه من تفسيرات للكتاب المقدس لتبرير الجرائم ليس سوى قراءة مسيئة للنص المقدس، لا علاقة لها بالروحانية المسيحية.
وقد تكرّس هذا الموقف الجماعي خلال اللقاء الذي جمع رؤساء الكنائس المسيحية في القدس بالعاهل الأردني بمناسبة أعياد الميلاد المجيدة، حيث أجمعوا على رفض هذه الظاهرة، محذّرين من خطورتها، ولا سيما في ظل النشاط المتزايد لمجموعات متصهينة، خصوصًا في الولايات المتحدة، تدافع عن الاحتلال وممارساته القمعية بحق الشعب الفلسطيني. وأكدوا أنّ الوقوف مع الظالم على حساب المظلوم موقف يتناقض جذريًا مع جوهر الإيمان المسيحي.
ويفضح هذا الموقف الكنسي زيف الادعاء الذي روّج له مؤتمر القدس، ويؤكد أنّ ما قُدّم هناك لا يمثل مسيحية الأرض المقدسة، بل هو نتاج قراءة أيديولوجية منحرفة تسعى إلى تحصين نفسها أخلاقيًا عبر لغة دينية مطلقة، تُغلق باب المساءلة وتُقصي القانون الدولي.
يطرح هذا المشهد سؤالًا ملحًّا حول مسؤولية علماء الدين في العالمين العربي والإسلامي في معركة الوعي، وضرورة مبادرتهم إلى تنظيم مؤتمر دولي يضم شخصيات مرموقة من مختلف الأديان، لا بهدف التعبئة الخطابية، بل لتفكيك الدعاوى اللاهوتية التي تُستَخدم لتبرير الاحتلال، ومن أجل الدفاع عن المسجد الأقصى ودعم صمود الفلسطينيين، ومخاطبة العالم بلغة عقلانية تُعيد الصراع إلى جوهره بوصفه قضية عدالة وحقوق شعبٍ يكافح لكنس الاحتلال.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |