|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

أحمد كامل ناصر
2026 / 2 / 24
يلاحظ في المشهد الشعري العربي عمومًا، والمحلي في الداخل الفلسطيني خصوصًا، هيمنة نمط كتابي يصطلح عليه بـ"شعر المناسبات"، ونقصد به ذلك النص الذي تحدَّد المناسبة بنيته الدلالية مسبقًا، فيغدو تابعًا لها لا منتجًا لمعناها. ورغم ما يحمله هذا اللون من مشروعية تاريخية بوصفه تعبيرًا جماعيًا عن موقف أو حدث، فإن تحوّله إلى النمط الغالب يثير إشكالية نقدية تتصل بوظيفة الشعر وحدود أثره الجمالي والمعرفي، إذ تصبح القصيدة استجابة ظرفية بدل أن تكون فعل كشف ورؤيا.
لقد ارتبط الشعر العربي منذ نشأته بوظائف متعددة، منها التوثيق والمدح والرثاء والتحريض، غير أن التحولات الحديثة في نظريات الأدب والجماليات أعادت تعريف القصيدة بوصفها بنية لغوية رمزية تسعى إلى كشف التجربة الإنسانية في مستوياتها العميقة، لا مجرد خطاب احتفالي أو ردّ فعل آني. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الشعر الذي يكتفي بأداء وظيفة ظرفية، والشعر الذي ينخرط في مساءلة الوجود الإنساني ذاته.
إن الشعر الإنساني والوجودي لا ينشغل بالحدث بقدر ما ينشغل بدلالته، ولا يكتفي بوصف الواقع بل يسعى إلى تفكيكه وتأويله. إنه شعر الأسئلة لا الأجوبة، وشعر القلق المعرفي لا الاطمئنان الخطابي. فالقصيدة التي تطرح سؤال المعنى، أو تستنطق العزلة، أو تتأمل الزمن والموت والحرية، هي قصيدة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتدخل في أفق التجربة الكونية المشتركة. ولذلك فإن أثرها لا ينتهي بانتهاء المناسبة، بل يتجدد مع كل قراءة.
ولعل تجربة عدد من شعراء الداخل الفلسطيني أنفسهم تقدّم دليلًا واضحًا على هذه الحقيقة؛ فقصائد محمود درويش لم تخل من البعد الوطني، لكنها بلغت عالميتها حين تحولت من خطاب القضية إلى خطاب الإنسان، وكذلك فعل سميح القاسم الذي مزج بين صوت الجماعة وقلق الذات، بينما قدّم توفيق زياد نموذجًا للشاعر الذي ينطلق من المحلي ليصل إلى الإنساني. أما راشد حسين فقد جسّد في نصوصه توتر الهوية والمنفى الداخلي، في حين أسهم حنا أبو حنا في ترسيخ رؤية شعرية تنظر إلى القصيدة بوصفها فعل معرفة لا مجرد استجابة آنية.
إن استحضار هذه النماذج لا يراد به الاحتفاء التاريخي فحسب، بل التنبيه إلى أن القيمة الحقيقية للشعر تتجلى حين يتحرر من أسر اللحظة العارضة ليصير أفقًا تأمليًا. فالشاعر، في جوهر مهمته، ليس مؤرخ مناسبة، بل شاهد وجود؛ وليس صانع شعار، بل صانع رؤية. ومن هنا فإن الاقتصار على شعر المناسبات يهدد بتحويل القصيدة إلى نص استهلاكي سريع الذبول، بينما يمنحها الانفتاح على الأسئلة الكونية قدرة على البقاء والتجدد.
كما أن التحولات الثقافية المعاصرة، في ظل تسارع الوسائط الرقمية وهيمنة الخطاب السريع، تجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى شعر يعيد الاعتبار للبطء التأملي والعمق الرمزي. فالنص الشعري القادر على الصمود ليس ذلك الذي يساير الضجيج، بل الذي يخلق مسافته الخاصة للتفكير. والقصيدة التي تكتب لتلقى في احتفال قد تؤدي غرضها اللحظي، لكنها نادرًا ما تتحول إلى أثر جمالي دائم، في حين أن القصيدة التي تكتب لتقرأ عبر الزمن هي التي تؤسس حضورها في الذاكرة الثقافية.
وعليه، فإن مستقبل القصيدة المحلية مرهون بقدرتها على تجاوز الاستجابة اللحظية إلى أفق الرؤيا، وعلى الانتقال من تعليق على الحدث إلى مساءلة لمعناه. فالشعر لا يقاس بمدى مطابقته للمناسبة، إنما بقدرته على خلخلة اليقين وفتح أفق السؤال؛ وحين تفقد القصيدة قدرتها على طرح السؤال، تتحول من فعل إبداعي إلى أداء لغوي، ومن تجربة وجودية إلى نصٍّ عابر ينتهي بانتهاء ظرفه.
الطيرة - 23.2.2026
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |