|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 2 / 23
السؤال هنا ليس ترفًا، بل اختبارًا لخيال المخرجين والمنتجين، ولقدرة الدراما العربية على أن تتجاوز “التريند” إلى صناعة لحظة أداء استثنائية، تُبنى على لقاء ممثلين من عيار ثقيل، لا على جمع أسماء من أجل التسويق.
دعونا نقترح، أو نحرض، أو نبحث عن مخرج من الذكاء بمكان، كي يصنع مادة درامية قادرة على اكتشاف كوامن الأداء الباهر عند الفنان العراقي جواد الشكرجي والفنان السوري تيم حسن. لا ينبغي أن نسأل “لماذا؟” لأن الجواب واضح لمن شاهد كليهما: هناك ما يجمعهما في القدرة التعبيرية، في التحكم بالصمت قبل الكلام، في تحويل الجملة البسيطة إلى مشهد كامل. ومثلما هناك ما يجمعهما، هناك أيضًا ما يجعلهما يتقاطعان عندما يتقابلان في دراما تلفزيونية: اختلاف المدرسة، اختلاف الإيقاع، اختلاف الخلفية، وهذا بالضبط ما يجعل اللقاء بينهما مغريًا.
التجارب السابقة منحتنا الحق كمشاهدين وكمتابعين في أن نقول بثقة إن كليهما ينتمي إلى طبقة نادرة من الممثلين. جواد الشكرجي، ابن المسرح العراقي الثقيل، يحمل في صوته وملامحه ووقفته ذاكرة كاملة عن جيل عاش الحرب والحصار والانكسار، ثم صعد إلى الشاشة وهو يحمل كل ذلك في عينيه. وتيم حسن، ابن الدراما السورية التي عرفت كيف تصنع من الممثل “علامة”، استطاع أن يطوّر أدواته من عمل إلى آخر، وأن ينتقل من الفتى الوسيم إلى الرجل المركّب، من الرومانسية إلى العتمة، من البطولة التقليدية إلى الشخصية الرمادية التي لا تُقرأ من النظرة الأولى.
نعم، الشكرجي يسبق تيم في زمن التجربة، لكن الزمن هنا لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد التحوّلات. الشكرجي ممثل “ثقيل”، يشتغل على الجملة كما يشتغل النحّات على الحجر، يترك أثرًا حتى لو مرّ في مشهد واحد. وتيم حسن ممثل “متحوّل”، يغيّر جلده من عمل إلى آخر، ويعرف كيف يضبط حضوره بين التلفزيون والدراما الشعبية والدراما التاريخية. هذا الفارق لا يلغي التقاطع، بل يثريه: الأول يحمل عمقًا تراكم عبر عقود، والثاني يحمل ذكاءً في قراءة المتلقي العربي اليوم، وكيف يتفاعل مع الشخصية.
من الناحية الفنية، يمكن القول إن الشكرجي يميل إلى الأداء الذي يخرج من الداخل إلى الخارج: من الانفعال الداخلي، من التجربة، من الذاكرة، من الجرح الشخصي الذي يتسرّب إلى الشخصية. بينما يميل تيم حسن إلى الأداء الذي يشتغل على “الصورة” بوصفها أداة تعبير: النظرة، طريقة الوقوف، الإيقاع البطيء في الكلام، استخدام الصمت كجزء من الحوار. لقاؤهما في عمل واحد سيكون لقاء مدرستين: مدرسة “الحمولة الوجودية” في الأداء، ومدرسة “التحكم بالصورة” في الأداء.
الدفاع عن هذه الفكرة ليس دفاعًا عن نزوة “فانز”، بل عن حق الدراما العربية في أن تختبر أقصى ما يمكن أن يقدمه ممثلوها الكبار. نحن اعتدنا أن نرى الشكرجي محاصرًا في أدوار عراقية محلية وأقل من ذلك عربية، وأن نرى تيم حسن محاصرًا في أدوار البطولة العربية ذات الطابع التجاري أو الشعبي. لكن ماذا لو خرجنا من هذه الأقفاص الجاهزة، ووُضع الاثنان في عمل مكتوب بعناية، يختبر حدود قدرتهما، لا يكتفي باستثمار نجوميتهما؟
يمكن تخيّل عمل درامي يقوم على ثنائية متوترة: رجلان من جيلين مختلفين، من تجربتين مختلفتين، من ذاكرة سياسية واجتماعية مختلفة، يجبران على اللقاء في ظرف درامي قاسٍ: حرب، صفقة، خيانة، محكمة، سجن، أو حتى علاقة أب وابن لا يجمعهما الدم بل المصير. في مثل هذا العمل، لن تكون المسألة من يكسب المشهد، بل كيف يمكن للمشهد أن يتسع لكل هذا التوتر الأدائي.
الدراما العربية اليوم تكرر نفسها في الكاستينغ، وتخاف من المغامرة. تضع الممثل في القالب نفسه، وتعيد تدويره موسمًا بعد موسم. فكرة جمع جواد الشكرجي و تيم حسن ليست مجرد “فانتازيا” نقدية، بل اختبار لجرأة المخرجين والمنتجين: هل يملكون الشجاعة لصناعة عمل لا يقوم على “التريند”، بل على الاصطدام الفني بين ممثلين قادرين على رفع سقف الأداء إلى مستوى نادر؟
في النهاية، السؤال ليس: من يجمعهما؟ بل: من يجرؤ على أن يضع الكاميرا بينهما، ثم ينسحب قليلًا، ويتركنا نرى ماذا يمكن أن يحدث عندما يلتقي ممثل يحمل ذاكرة المسرح العراقي، بممثل يحمل دهاء الدراما السورية، في مشهد واحد، في جملة واحدة، في نظرة واحدة؟
هذا اللقاء، إن حدث، لن يكون مجرد عمل درامي… سيكون وثيقة أداء، وامتحانًا للدراما العربية أمام نفسها.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |