|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سعيد مضيه
2026 / 2 / 23
اصرةهنري جيرو - ٢٠ فبراير ٢٠٢٦
" يقدم إبستاين للجمهور وحشا استثنائيا، نبذته الشبكات المالية والسياسية والاستخباراتية التي تعهدته. هذا العزل أيديولوجي، يحول دون الاعتراف المنهجي عن طريق تسجيل العنف البنيوي في باب الفضائح أو سوء تصرف أو مشهد استعراضي- أحداث للاستهلاك والنقاش ثم تنسى بدلا من إدراكها مظهرا أصيلا لراسمالية العصابات بالذات"، يقول الأكاديمي الأميركي، هنري غيرو
الاختفاء في ظل فاشية النيوليبرالية لا يتم عبر شكل مؤسسي أو جمالي واحد؛ فإلى جانب العنف الاستعراضي لمداهمات إدارة الهجرة والجمارك، والشرطة العسكرية، والاستهلال المكشوف للإرهاب العنصري، يوجد نمط اختفاء أكثر هدوءًا وطويل الأمد تمارسه النخب بعيدًا عن الاستقصاء الديمقراطي. تتكشف قضية جيفري إبستين عن هذا النمط الخفي بوضوح مزعج؛ فما يوحّد أنظمة الاختفاء هذه، التي تبدو متمايزة، ليس فقط العنف الذي تسببه، إنما أسلوب حدوثها. تدور حملات المداهمة من قبل إدارة الهجرة والجمارك على شكل مقاطع فيديو سريعة الإيقاع، استعراضات اخبارية مثيرة، ومسرح منحاز. تعود جرائم إيبستاين للظهور دورات لا تنتهي على شكل بودكات(حوارات)، مسلسلات وثائقية على نتفليكس، موجات إخبارية متواصلة وأقوال نميمة تآمرية . في كلتا الحالتين، الفظائع تغدو هي المضمون، مجردة من عمقها التاريخي ومقطوعة من النسق الاقتصادي الذي أنتجها. رأسمالية العصابات لها البقاء، ليس بواسطة اختفاء الأجساد، بل عبر تحويل الاختفاء إلى مشهد استعراضي قابل للهضم .
حيث يتزايد إظهار الحكم الفاشي المعاصر للعنف بأجلي صوره، يبُرَز ضمن دراما بيداغوجيا (وسيلة تربوية) عامة للخوف، فإن ابستاين في أفعاله اعتمد االسرية والإرهاب المُعادي للنساء، والإبادة المنهجية للضمير الاجتماعي. كان هذا هو العنف الخفي لرأسمالية العصابات، جرى التخطيط له وتنفيذه في الحيزات المقتصرة على الطبقة الحاكمة- بيوتات المليارديرية أشبه بالمدن الصغيرة، الجزر الخاصة، المطاعم الراقية والنوادي الريفية - حيث تزدهر السياسات الزومبية من خلال الجشع والهيمنة ولغة مُخدرة تحيل القسوة أمرًا عاديًا والسلطة فحشًا. في صميم هذا المستنقع الثقافي والسياسي، الذي أطلقت ميليندا كوبر عليه طبقة "المليارديرات البطريركيين لليمين الأمريكي المتطرف [ ممن] يودو ن السيطرة على اقتصاد السادة والخدم". تخدير بالغ الأهمية؛ فالعنف الذي كان يثير في السابق غضباً أخلاقياً، إن لم يكن صدمة، أصبح الآن جزءاً لا يتجزأ من إيقاعات الاستهلاك الإعلامي اليومي. المداهمات تتحول إلى مقاطع فيديو. الناجون مجرد دراسات حالة. الإساءة تغدو أمراً تافهاً. في ظل هذا النظام، لا يتم إنكار المعاناة ولا مواجهتها؛ بل يتم تداولها بلا نهاية دون أي عواقب، مما ينتج عنه ألفة بدلاً من الغضب.
ضحايا إبستاين لم يتلاشوا داخل مراكز الاحتجاز أو المداهمات العامة، بل اختفوا في طائرات خاصة، في أراض مسورة، حصون الثروات الخاصة، ملاذات مؤقتة للثروة والنفوذ على هيئة دوائر كهربية، تتولى حمايتها شبكات مكثفة تربط الأوليغارشية والسياسيين وأجهزة الاستخبارات والتمويل العالمي. نشطت تنقلات الجنس على النطاق الدولي بمثابة نظام متعة وأرباح ومغامرة لطبقة مليارديرات، تولدت لديها القناعة التامة بأن المال يمنح الحصانة من القانون والعدالة والعقاب. هذه الشريحة المسيطرة من غيلان تحظى بحماية دولة تعامل كأدوات حكم مشروعة اختفاء المهاجرين، قتل مواطنين بدم بارد، وانتشار معسكرات الاعتقال على أنحاء الأرض الأمريكية. وفي ظل هذا المنطق، يُعاد تصنيف المقاومة المدنية للفاشية على أنها إرهاب داخلي، مما يعرض المعارضين للمراقبة أو الاختفاء أو الموت. تعري قضية إبستين الجانب الآخر لهذه الآلية: كيف تُحمل النساءعلى التلاشي في غرف الرعب الجنسي، يُغرر بهن بعروض عمل وهمية، ويُوقع بهن في فخ الأكاذيب والتلاعب، ومع الزمن يتم القبض عليهن بالقوة.
بهذا المعنى، تتشارك إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) مع إبستاين في تلاق أخير مُرعب: كلاهما يروى عنه حالة شاذة، ليس تعبيرا عن الفساد والنظام الاستعلالي . تُؤطَر الأفعال السيئة الصادرة عن إدارة الهجرة والجمارك على أنها تجاوزات سياسية أو إرغام خارج عن القانون. إبستاين يطرح للجمهور وحشا استثنائيا، نبذته الشبكات المالية والسياسية والاستخباراتية التي تعهدته. هذا العزل أيديولوجي، يحول دون الاعتراف المنهجي عن طريق تسجيل العنف البنيوي في باب الفضائح أو سوء تصرف أو مشهد استعراضي- أحداث للاستهلاك والنقاش ثم تنسى بدلا من فهمها مظهرا أصيلا لراسمالية العصابات بالذات.
هذا ليس خروجًا على سياسات الاختفاء، بل هو أسمى سجلات أعمال رأسمالية العصابات – تدار على أيدي طبقة المليارديرات ا الثرية. كل من أنظمة إنفاذ القانون التابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وشبكة إبستين تمظهرت مواقع نقل البشر؛ وكلتاهما اقترفتا الحد الأقصى من القسوة، من منطلق منطق الفضلات البشرية القائم على التفوق العنصري للبيض، والنظام البطريركي. التمييز لا يكمن بالعنف، إنما في المظهر: فالدولة الاستبدادية باتت تمارس الاختفاء بتشكيل استعراضي، بينما النخب أكملت منذ امد الاختفاء تحت ستار الاحترام والسرية والإفلات من العقاب.
ما يثير القلق مجدداً ليس فقط ما تميط القناع عنه هذه الاستيحاءات، بل سهولة استيعابها. فالسخرية تتبدى هنا بمثابة تقنية الخواء الأخلاقي، القضاء غير المرشد وتوفير الحماية لوحشية النخب من المحاسبة الحقة. مع هذا فالخطر يتزايد عمقا في مكان آخر. إبستين لا يعطل هذه المقولة؛ بل يكملها، يعري نظاما سميا يُخفي الجثث عبر الإرهاب المكشوف والامتياز المخفي، من خلال المداهمات والتكتم على حد سواء. عندما يصبح الاختفاء تسلية تتقوض المساءلة. يُدرَّب الجمهور على التلذذ بالقسوة بدلاً من تقصي أسبابها. هكذا تُسيطر رأسمالية العصابات وتؤثر: بإنتاج مشاهد رعب لا تنتهي بينما تغلق احتمالات الفهم البنيوي.
تتطلب مواجهة هذه الآلية ما هو أكثر من الإصلاح أو التعرية أو المزيد من التقزز الأخلاقي؛ إنها تلح على تفهم واضح الرؤية لكيفية عمل السلطة عبر أبعادها المرئية والمخفية- ونهج سياسي راغب في تسمية راسمالية العصابات ذاتها كعدو. لذا، فأي شكلٍ فعّالٍ للمقاومة عليه ان يستهدف ليس أنسنة هذا النظام، بل تفكيكه ونثر خلاياه قبل أن يصبح الاختفاء هو الشرط المألوف النهائي للحياة السياسية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |