جدلية القانوني والأخلاقي في سلوكنا اليومي من خلال أمثلة

تفروت لحسن
2026 / 2 / 23

يتجدد النقاش على قنوات الإعلام والاتصال، بتنوعها، حول سلوكات أفراد أو جماعات في تعاملها مع القانون، احتراما أو خرقا له، علما أن القانون الوضعي أو الشرعي يقصد تنظيم المعاملات الإنسانية في كل مناحي الحياة العامة والخاصة. و بذلك فهو يتجاوز العرف كشكل تلقائي سنته بعض التشكلات الجماعية لتنظيم حياتها، علما أن القانونين، باعتبارها تجمع بين الحقوق والواجبات تتميز بصفة التقعيد والكتابة والتواضع؛ فالقوانين المتفق حولها تتسم بصفات الترسيم مثل قواعد تستتبع الجزاء بتطبيق النص القانوني المناسب. وهذا ما يمنحها صفة الإلزام والوجوب في التطبيق، حتى ولو كان الواجب إكراها، لأنه إكراه مرغوب فيه، لأنه ينظم المجتمع.
أما الأخلاق فهي تتعلق بسلوكات الناس وطريقة تعاملهم داخل الجماعة النظامية أو التلقائية، وبذلك تمثل مجموع القيم والاتجاهات والمواقف في وضعيات التعامل بين البشر: وغالبا ما ترتبط الأخلاق بثقافة الفرد والجماعة وبتراثه الشفهي وبالأعراف والدين. ويمكن للأخلاق أن تمثل عاملا محدد ومهيمنا على حياتنا اليومية، وعلى علاقات الناس
مع الغير، المشابه والمختلف.
وبين القانون والأخلاق تطفو إلى السطح عدة أسئلة، منها:
هل كل القوانين عادلة ؟ وهل القانون لا ينضبط للأخلاق ؟ وإلى حد يمكن للأخلاق أن تجود الفعل القانوني ؟ وكيف يمكن التوفيق بين الإلزام القانوني وصرامته و الالتزام الأخلاقي وتلقائيته؟
مقاربة بعض أوجه هذه التساؤلات تقتضي استحضار بعض المفاهيم ذات الحمولة القيمية والمرجعية الثقافية والإنسانية وحتى القناعة الدينية...ومن بين ذلك نذكر: التسامح – العفة – الحياء – القناعة – المصلحة المسترسلة – الصدق – الإنسانية...
لن نسرد كثرة المفاهيم الأخلاقية، وسنقدم بعض الأمثلة لتوضيح جدلية القانوني والأخلاقي ولتسليط الضوء على معاملاتنا اليومية.
-المثال 1: قانون السير ينظم استعمال الطريق للمركبات وللراجلين، وقد يحدث أحيانا أن يمنحني القانون الحق في المرور أو الأسبقية والأولوية، لكن قد أصادف أمامي شخصا خرق القانون لظرف خاص، فأشار لي بالاعتذار للمرور، فأسمح له رغم أن القانون منعه، فأخلاق التسامح تحدد الموقف، والقول المأثور يوضح:" المسامح كريم "
- المثال 2: المعاملات التجارية: غالبا ما يشتكي المستهلك من الارتفاع الصاروخي للأسعار في الأسواق والمطاعم، مع غياب الجودة والشروط الصحية، وهذا ما يتعرض له السياح وحتى الساكنة المتوطنة، ويشهد على ذلك فصل الصيف. وإذا كان خرق قانون حماية المستهلك هو السبب أو أن قانون تحرير الأسعار هو الدافع، فإن للأخلاق نصيب كبير، حيث أن الجشع والطمع والزور والغش وانعدام الضمير هي السبب الرئيسي.
- المثال 3: قانون الأسرة: ومنه الإرث والزواج. فرغم أن مدونة الأسرة تنظمهما، إلا أن الأخلاق تسمو بهما. فبعض الورثة يقسمون التركة دون أخلاق؛ إما بالطمع والجشع والسيطرة على حقوق ضعاف الورثة كالنساء والأطفال...في حين أن بعض ذوي النفوس الخيرة يعرفون الإنصاف وحقوق السائل والمحروم ويسمون عن أكل أموال اليتامى بالباطل والتدليس والنفوذ...
ويمكن أن تسوق مثال التعدد في الزواج، الذي يستحبه بعض المتزوجين بدعوى شرعيته ومشروعيته. لن نجادل في حجية هذا الطرح، فقط نشير إلى الأخلاق تطوق هذا التعامل لأن الأصل في الزواج حسب مدونة الأسرة هو رباط شرعي بين رجل وامرأة على نية الدوام بقصد تأسيس أسرة مستقرة. فكيف نفسر سلوك زوج طالب للتعدد بعد 30 سنة من الزواج؟ وما مبرر زوج يجرجر زوجته لتطلب الطلاق؟ وما سر هجران زوجته ليرغمها على قبول التعدد؟...إنها أخلاق العجب والتكبر ونكران الجميل...
المثال الرابع: الشطط في استعمال السلطة، كالاعتداء على حقوق الغير، وظلم الناس، والجنس مقابل النجاح، والمال مقابل النقط و الرشوة والارتشاء، وكل أصناف الفساد كالتزوير والربا وباقي أفراد عالتهم. وهي ما تنتجه أخلاق عبيد المال، ضد مكارم أخلاق، الأخلاق الحسنة.
المثال الخامس: المعاملات المالية : تتشعب منافذ هذا الموصوع، فالقانون يعاقب على كل أشكال التزوير والتهرب من أداء الجزاءات والضرائب، رغم أن ثمة عوائق تحول دون شمولية قانون التنظيم المالي.
ليس موضوعنا هو التصريح أو التهرب الضريبي، فذلك شأن أهل الاختصاص، رغم علاقته بالأخلاق.
ما يهمنا هو الاحتكام إلى الأخلاق في غياب القانون، أو عدم عدالة القانون، أو عدم ملائمته لمقام ما أو لظرفية معينة، أو عدم تحيينه وتجديده.
نعم، توجد قوانين تمنحنا الحق في القرار، ورغم أنها قوانين مقننة ولا يمكن بطلانها أو الطعن فيها، فإنها تبقى معيبة من حيث انعكاسها على الغير، شخصا طبيعيا كان، أو شخصا معنويا. فكثير من الأمور تعود قوانينها إلى سنوات خلت، ولم تعد تواكب تطورات العصر الحالي، حيث أنها تؤثر على خزينة الدولة وعلى المصلحة العامة والعيش المشترك.
حاصل القول نفهمه من المثل الشعبي: " إن لم تستحيي، فافعل ما شئت". وهذا هو مرض الأخلاق للتحايل على القانون..
ما هو الحل ؟ هو سماحة القلب و سمو الأخلاق والتربية السليمة على البل والفضيلة.