|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2026 / 2 / 22
(في مساءٍ افترش فيه العظماءُ الأرض… أشرقت بغدادُ أبعد)
في الليل، حين تخفُّ ضوضاء بغداد ويعلو صمتها فوق ضفاف دجلة، مررتُ بالشارع الذي يحمل اسم Zaha Hadid. كان المبنى الشاهق يلمع كرمحٍ من ضوء، كأنه يخترق ذاكرة المدينة قبل أن يخترق سماءها. هناك، بين الضوء والظلال، عاد إليّ إفطارٌ رمضاني من آب 2011 , إفطارٌ جمع على مائدة بسيطة ثلاث مسارات: العمارة، والاقتصاد، والثورة.
كان رمضان قد حلّ يومها في مطلع آب في إسطنبول جلسنا في مطعم متواضع، مفتوح على نجوم السماء التي توزعت بسلاسل مضيئة . لم تختر زهاء المكان لفخامته، بل لأصالته ، أرادت لبنًا رمضانيًا تصنعه قرية قريبة، بطعمٍ لا تمسه يد الصناعة الثقيلة. كانت زهاء على الرغم من عالميتها تبحث عن جوهر الأشياء لا عن قشرتها. تلك كانت فلسفتها في العمارة كما في الحياة: أن يكون الشكل صادقًا مع وظيفته، وأن يبقى الأصل حيًا تحت كل انحناءة.
إلى جوارها جلس الراحل Sinan Al-Shabibi، رجل الاقتصاد الذي كان يرى في الأرقام أخلاقًا، وفي الاستقرار المالي شرطًا للكرامة الوطنية. كنا نتحدث عن المبنى الذي سيقف يومًا على ضفة دجلة، عن فكرة تتحول إلى خرسانة، وعن حلمٍ يريد أن يصير أفقًا.
غير أن الحديث انعطف فجأة نحو كوبا حين أخذنا دبلوماسي عراقي إلى هافانا. حدّثنا عن اقتصادٍ تُدار تفاصيله بدقة مركزية ، و عن حلاقٍ حكومي مركزي ، وعن حافلاتٍ مُلزَمة بحمل المارة، وعن مجتمعٍ يحاول أن يوزّع الندرة بعدلٍ صارم. كانت زهاء تنصت بعمق، كأنها تدرس مدينةً جديدة لا مبنىً جديدًا.
سألته بهدوء:
– هل التقيتَ بـ Fidel Castro؟
ابتسم وقال:
كان يأتي إلى منزلي بكوني السفير العراقي ، برفقة شقيقه Raul Castro يجلسان بلا تكلف، ويميلان إلى الأحاديث العراقية الدافئة.
ثم أضاف:
أجمل ما فيه أنه كان يتمدد على الأرض مع أطفالي، يرسم معهم، ويشاركهم ألوانهم وضحكاتهم. وكان يستعيد طفولته، حتى إنه يمازح شقيقه بشأن امتحانٍ مدرسي قديم، اختلفا فيه من نظر إلى ورقة الآخر.
في تلك اللحظة أدركت أن السلطة، حين تتخفف من رموزها، تستعيد إنسانيتها ،وأن القائد مهما تضخمت صورته في التاريخ، يبقى طفلًا يحنّ إلى براءة البدايات.
أدهشتني المفارقة:
ملكة العمارة العالمية تختار أبسط موائد الإفطار، وقائد ثورةٍ يفترش الأرض مع أطفال غرباء، واقتصاديٌّ يحلم بمبنى يرمز إلى استقرار وطن. ثلاثة مسارات متباعدة في الظاهر، لكنها تلتقي في جوهر واحد (فكرة البناء ) بناءُ مدينة، بناءُ اقتصاد، بناءُ معنى.
حين امتزج اللبن الرمضاني بملوحة دمعةٍ تسللت إلى عيني، أدركت أن التاريخ لا يُصنع فقط في القصور ولا في ساحات الثورة، بل حول موائد بسيطة، في لحظاتٍ لا تتكرر. هناك، يتكشّف جوهر البشر بعيدًا عن ألقابهم.
مضى الزمن.
رحل كاسترو، ورحل شقيقه.
ورحل الشبيبي.
ورحلت زهاء، بعدما تركت لنا أثرًا يوقّع الأفق باسمها.
بقي الشارع يحمل اسمها، وبقي دجلة يجري، وبقي ذلك الإفطار شاهدًا على زمنٍ اجتمع فيه الفكر والخيال والسلطة حول مائدة متواضعة.
أفكر الآن:
هل المدن تُبنى بالحجارة فقط، أم باللحظات التي تمنحها معناها؟
وهل السلطة، إن لم تحتفظ بطفولتها، تفقد قدرتها على الحلم؟
في ضوء المبنى الشاهق، بدا لي أن ما يبقى ليس الصخب، بل الأثر.
وأن أعظم ما في الإنسان ليس قوته، بل بساطته حين ينسى أنه قوي.
فربما لم يكن ذلك الإفطار مجرد ذكرى، بل علامة خفية على معنى يتجاوز الأشخاص. فالعظماء يرحلون، لكن ما يتركونه ليس الأبنية وحدها، ولا القرارات ولا الثورات ، بل طريقةً في النظر إلى العالم.
تعلّمتُ من تلك الأمسية أن البناء الحقيقي لا يبدأ من الخرسانة، بل من الفكرة. ولا يثبت بالسلطة، بل بالمعنى. وأن الأمم، مثل الأفراد، تكبر حين تتصالح مع بساطتها، لا حين تتورّط في استعراض قوتها.
تمرّ السنوات، وتتغير الأسماء، وتبقى المدن تمتحن ذاكرتها.
غير أن دجلة، وهو يمضي في جريانه الأبدي، يهمس بحقيقةٍ واحدة:
ما يُبنى بروحٍ صادقة، لا يسقط.
وما يُشيَّد على معنى، يبقى أوسع من الزمن.
ذلك المساء لم يكن إفطارًا عابرًا، بل لحظةً رأيتُ فيها التاريخ بلا حرس، والسلطة بلا ألقاب، والعظمة بلا ضجيج.
ومنذ ذلك الحين، كلما رأيتُ الضوء ينساب على ذلك المبنى الشاهق، أدركتُ أن بغداد لا تحتاج إلى مزيدٍ من الصخب…
بل إلى مزيدٍ من تلك اللحظات التي يلتقي فيها الفكر بالحلم، والسلطة بالإنسان، والبساطة بالمجد.
فهناك، فقط، تولد المدن من جديد.