|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 2 / 22
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار تزعم قيام وزير الخارجية المغربي بزيارة إلى القدس، مدعّمة بصور توحي بصحة الخبر. غير أن التحقق البسيط يكشف أن هذه الصور تعود إلى سنة 2018، وأن الخبر لا وجود له لا في الإعلام المغربي، ولا الإسرائيلي، ولا حتى في المصادر الدولية الموثوقة. هذا المعطى وحده يطرح سؤالًا مشروعًا: من يقف خلف نشر مثل هذه الأخبار؟ وما الغاية من ترويجها في هذا التوقيت بالذات؟
في واقع إعلامي يشهد انحسارًا ملحوظًا لدور الصحافة الورقية والرقمية الجادة، باتت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأساسي للأخبار لدى فئات واسعة من المواطنين. الفضاء الأزرق، وخاصة فيسبوك، تحوّل إلى المجال الأوسع لتشكيل الرأي العام، ليس عبر المعلومة الدقيقة، بل من خلال الإثارة والتلاعب بالعواطف. في هذا السياق، لا يمكن اعتبار الأخبار الزائفة مجرد صدفة أو اجتهاد فردي، بل هي أداة من أدوات اختبار المزاج الشعبي وقياس ردود الفعل تجاه قضايا حساسة، من قبيل الانخراط في مشاريع سياسية دولية تُقدَّم تحت مسميات براقة كـ“السلام” و“إعادة الإعمار”.
تاريخيًا، لم تكن القضية الفلسطينية بعيدة عن هذا النوع من التوظيف. فمنذ المسار الذي أعقب اتفاقيات السلام، وخاصة بعد كامب ديفيد، سعت أطراف عربية إلى لعب أدوار الوساطة أكثر من دفاعها عن جوهر الحقوق الفلسطينية. بناء مطار غزة، الذي موّلته خزائن دول تعاني أصلًا من الفقر والهشاشة، كان مثالًا صارخًا على سياسات النوايا الحسنة التي انتهت سريعًا بقرار إسرائيلي بإغلاقه، دون أدنى اعتبار للخسائر الاقتصادية أو الرمزية. والنتيجة كانت واضحة: مشاريع تُصرف عليها الملايير، ثم تُدفن بقرار أحادي من الاحتلال.
اليوم، يتكرر المشهد بصيغ جديدة. فما جدوى أي مجلس دولي للسلام، إذا كانت إسرائيل تواصل سياسة التوسع وضم الأراضي؟ وما قيمة الحديث عن الحكم الذاتي، إذا كانت الضفة الغربية خاضعة فعليًا للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية؟ بل إن المفارقة تبلغ ذروتها حين يصبح الكيان الذي يُفترض أنه “سلطة وطنية” مرتبطًا اقتصاديًا بالكامل بالاحتلال، إلى حد أن رواتب موظفيه تُصرف بعملة الدولة التي تحتل أرضه. في هذا الإطار، يبدو أن بعض المشاريع الدولية لا تهدف إلى إنهاء الصراع، بل إلى إدارته، أو إعادة تشكيله بما يخدم مصالح القوى الكبرى، حتى وإن كان الثمن تحويل غزة إلى فضاء اقتصادي وسياحي منزوع السيادة، خاضع لإشراف خارجي مباشر.
إن اختزال القضية الفلسطينية في خطابات عاطفية لم يعد كافيًا. فهي، قبل كل شيء، قضية الفلسطينيين أنفسهم. أما توظيفها من قبل بعض الأنظمة العربية، فغالبًا ما يدخل في إطار الاستهلاك السياسي الداخلي، أو محاولة كسب شرعية شعبية مؤقتة. الخطاب شيء، والممارسة شيء آخر، وبينهما تتسع هوة فقدان الثقة.
وتكشف التجارب الفردية، أحيانًا، ما تعجز التحليلات الكبرى عن إظهاره. قصة مسؤول أحد مخيمات أطفال غزة، الذي شارك في مؤتمر دولي بالمغرب تحت عنوان العمل الإنساني، ثم حوّل التبرعات إلى حساب بنكي أوروبي قبل أن يطلب اللجوء السياسي، ليست مجرد حكاية عابرة. إنها تعكس جانبًا من فساد النخب المرتبطة بالقضية، حيث تتحول المعاناة الإنسانية إلى وسيلة للارتقاء الشخصي، وتُستبدل المسؤولية الأخلاقية بالمصلحة الذاتية.
لا يمكن، بطبيعة الحال، تعميم هذا السلوك على جميع الفلسطينيين. فالتاريخ مليء بأسماء مناضلين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود فئة واسعة من القيادات السابقة والحالية، التي راكمت الثروات، واستقرت في عواصم القرار العالمية، وقطعت صلتها الفعلية بالشعب الذي تتحدث باسمه. شخصيات تقلدت مناصب عليا، واستفادت من رمزية القضية، ثم أدارت ظهرها لها حين تعارضت مع مصالحها الخاصة.
من هنا، يصبح طرح السؤال أمرًا لا مفر منه، بعيدًا عن الشعارات والعواطف:
من الذي فرّط في فلسطين؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |