|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 2 / 21
حينما نكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان..
نشر ستندال روايته "الأحمر والأسود" عام ١٨٣٠. كان يعتقد أن عصره سيسيء فهمه تمامًا، وكان محقًا إلى حد كبير. وُصفت الرواية بأنها غير أخلاقية، وساخرة. بيد ان ستندال لم يكترث بذلك.
تدور أحداث الرواية حول جوليان سوريل، ابن نجار في إحدى مقاطعات فرنسا، وهو ذكي وطموح، لكنه مُبتلى بولادته في الطبقة الاجتماعية الخاطئة وفي الزمن الخطأ. أمامه خياران: إما الزي العسكري الأحمر، الذي أتاحه نابليون للموهوبين المغمورين، أو زي الكهان الأسود، وهو الخيار الوحيد المتبقي بعد عودة آل بوربون. فيختار جوليان الأسود، لا بدافع الإيمان، بل بدافع المصلحة.
يصبح جوليان مُدرسًا في منزل السيد دي رينال، عمدة المقاطعة. يُغوي زوجة العمدة على الفور، لاعتقاده أن ذلك خير ما يفعله الرجال الطموحون. فتقع مدام دي رينال في حبه بالفعل. يشعر جوليان بالتأثر والحيرة، وينصبّ تركيزه في الغالب على ما إذا كانت هذه العلاقة ستُحسّن من وضعه. وستندال صريحٌ للغاية في هذا الشأن: جوليان يتعامل مع الحب كاستراتيجية للوصول الى غاية.
جوليان شخصية آسرة ومحبطة في آنٍ واحد، لأنه دائمًا ما كان يؤدي أدوار زائفة وليست حقيقية. لقد حفظ العهد الجديد باللغة اللاتينية لا عن تقوى، بل ليُثير إعجاب الناس. يُغوي النساء ليُثبت قدرته على ذلك. ويتخذ حركات نابليونية لأنه يعتقد أن هذه هي عظمة الشخصية. هو ليس منافقًا تمامًا، بل هو شخص استوعب فكرة أن الأصالة ترفٌ لا يملكه إلا من يملكون السلطة.
يُصوّر عالم الرواية الاجتماعي بدقةٍ لاذعة. المجتمع المحلي تافه، مهووس بالمكانة الاجتماعية، يخشى الكفاءة لأنها تُهدد مكانته الموروثة. أما المجتمع الباريسي فهو أكثر صقلًا، لكنه فارغٌ بنفس القدر: كله تمثيل ورياء، كله حسابات، كله خوف من الاخر المختلف. يتقن جوليان هذا الموقف بمهارة فائقة، فهو يجهل تمامًا حقيقته الكامنة وراء هذا التمثيل.
يصبح سكرتيرًا لأحد النبلاء الباريسيين، ويقع في غرام ماتيلد دي لا مول، ابنة أحد النبلاء، وتُفتن بشدة بشخصية جوليان. علاقتهما أشبه بحرب نفسية. هي تلاحقه، ثم تنفر منه. وهو يتظاهر باللامبالاة، ثم ينهار. ولا يستطيع أي منهما أن يكون صادقًا، لأن الصدق في عالمهما يُعد ضعفًا، والهشاشة هزيمة.
بعد مدة، تحمل ماتيلد. يوافق والدها على الزواج، ويرتب لجوليان الحصول على لقب ورتبة عسكرية، ليصبح كل ما حلم به جوليان ملكًا له فجأة. ثم تصل رسالة من مدام دي رينال، بتحريض من كاهنها، تصف فيها جوليان بأنه ماكر يستغل النساء للارتقاء الاجتماعي.
وفي لحظة من التهور المطلق، يعود جوليان إلى الريف، ويطلق النار على مدام دي رينال داخل الكنيسة. تنجو مدام، بينما يُسجن جوليان. وهنا تتخذ الرواية منحىً استثنائيًا. ففي السجن، تجرد جوليان من طموحه وتظاهره، ليصبح حقيقةً واقعة. يرفض الدفاع عن نفسه، ويرفض الخضوع للمحاكمة. ومن ثم تقرر هيئة المحلفين أنه مجرد فلاح تجرأ على تجاوز حدوده الاجتماعية، ويتعين معاقبته وإعدامه.
تزوره مدام دي رينال، التي لا تزال تُحبه. فيتحدثان بصراحة مع بعضهما للمرة الأولى. وبعدها تزوره ماتيلد، وهي في حالة من الهلع والدراما. يُدرك جوليان بوضوح أنه كان يُحب مدام دي رينال، بينما كان يتوهم حبه لماتيلد. فيأتي هذا التمييز متأخرًا جدًا لدرجة أنه لا يُحدث فرقًا. وفي الختام، يُعدم جوليان بالمقصلة. وتأخذ ماتيلد رأسه المقطوع وتدفنه بنفسها. اما مدام دي رينال فتتوفى حزنًا عليه بعد ثلاثة أيام.
كتب ستندال هذه الرواية استنادًا إلى قضية جنائية حقيقية، لشاب أطلق النار على حبيبته في الكنيسة وجرى اعدامه. لكن ستندال حوّلها إلى قضية أعمق: صورة لما يُكلّفه الطموح عندما يُولد المرء بموهبةٍ لكن دون مقومات مادية، في مجتمعٍ يُصرّ على أن الطبقة الاجتماعية هي قدر البشرية.
جوليان ليس بطلاً، وليس شريراً تماماً. إنه شخصٌ شكّله نظامٌ أوحى إليه أن السبيل الوحيد للنجاح هو الترقّي، والترقّي يتطلّب تمثيل شخصيةٍ لم يعشها قط. وعندما وجد شيئاً حقيقياً: الحب، الصدق، كان الأوان قد فات. فالمقصلة كانت بانتظاره.
المأساة الحقيقية تكمن في إدراك اننا ندمر أنفسنا في محاولة أن نصبح ما نعتقد أننا يجب أن نكون، ولا نكتشف حقيقتنا إلا بعد فوات الأوان.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |