|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سعيد مضيه
2026 / 2 / 20
جورج باين ترجمة سعيد مضيه
"صيرورة الحط من الكرامة الإنسانية، تبدأ بالخطب الرنانة - لغة تبلّد التعاطف تصدر عن ترمب وأعوانه، تعقبها السياسات - حرمانات، تراجعات، وضعف التنفيذ. وأخيرا يأتي العزل، التهميش، والإضرار المؤسسي. يُظهر التاريخ أنه عندما يُهمّش الناس، يصبح من الأسهل التخلص منهم. احترام الناس واجب وليس خيارًا " ـ يحث جورج باين، مدير منظمة غاندي الدولية للحفاظ على الأرض، وأستاذ الفلسفة في كلية المجتمع، فينغر ليكس. لا يقتصر الضرر على الداخل الأمريكي، إنما يشمل العالم بأسره والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص.
كتب جورج باين:
حين يقدم أقوى شخص بالعالم على استخدام لغةً تُجرّد الإنسان من إنسانيته، فأمر لا يقتصر على مجرد كلام، بل هو توجيهٌ مُتعمّد.
في أواخر نوفمبر، وصف دونالد ترامب علنًا حاكم ولاية مينيسوتا، تيم والز، بأنه "متخلف عقليًا بشكل خطير" أثناء هجومه على قيادته. وعندما سُئل لاحقًا، لم يتراجع ترامب عن الإهانة، بل أصرّ عليها قائلًا " يوجد خطأٌ ما به". لم تكن هذه إهانة عابرة أو تعليقًا عفويًا، إنما هو تصريح متعمد، أُطلق عبر مكبر صوت سلطوي، أعاد للحياة كلمةٍ طالما اعتُبرت محقرة لإنسانية ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية.
هذا ليس نقاشًا حول حرية التعبير، بل هو درسٌ في تحديد من هو الإنسان - ومن هو من الفضلات. فالكلمات التي تُنطلق من المكتب البيضاوي ليست كلماتٍ جوفاء، فهي ُتشكّل التعاطف، تُبرّر سياسات، وتُعيد رسم حدود الاهتمام الأخلاقي. عندما يحط قائدٌ من قيمة مجموعة من البشر، فالدور يطال المجتمع، خطوةً بخطوة، وسياسةً إثر سياسة.
دونالد ترامب ليس مواطنًا عاديًا يُثرثر في فراغ، رجل يحمل عبء سلطة الرئاسة وصوتًا يدوي في انحاء المعمورة. كل كلمةٍ ترمز إلى من يستحق الكرامة، ومن هو موضع السخرية، ومن هو الذي قد يستثنى من كل حماية.
هذا النمط يدركه في الحال المدافعون عن حقوق ذوي الإعاقة. الخبيرة الأخصائية بمكتب ولاية نيويورك لمساعدة لأشخاص ذوي الإعاقات النمائية، بي.جي ستاسيو، توضح عندما يستخدم القادة الوطنيون مصطلح "متخلفين" كسلاح، فإنهم يعيدون للحياة ضررًا حقيقيًا، لا سيما للأشخاص الذين وُصِموا أو عُزلوا أو اعتُبروا غير أكفاء من قِبَل أنظمة السلطة. فاللغة ليست مجرد تعبير عن إساءة، بل تُحييها في الذاكرة.
اما نيكول لوبلانك، مستشارة توظيف ذوي الإعاقة، وتقدم استشارات خاصة، فتطرح الأمر بصراحة: يريد ذوو الإعاقة الاحترام والقبول والحصول على الخدمات التي تُمكّنهم من العيش في رخاء – وليس مجرد البقاء على قيد الحياة. اللغة المهينة تُغذي العاهة، والتباينات الصحية والإساءة. تُذكّرنا بأن احترام الناس واجب وليس خيارًا.
هذا الخطر ليس مجردا؛ فكما يشير الدكتور غاري شافير، أستاذ قسم الإعاقة بعلم النفس المدرسي ومستشار الصحة العقلية، فإن كلمة "المتخلف" ليست لغة محايدة، بل هي خطاب كراهية. عندما يستخدمها رئيس، فإنه بذلك يُشير إلى أن التمييز والعزل مسموح بهما، ليس فقط تجاه ذوي الإعاقة الذهنية، بل ضد أي شخص يُعتبر "أقل شأناً". والتاريخ يُظهر إلى أين يقود هذا المنطق.
عام ١٩٢٧، أيدت المحكمة العليا التعقيم القسري في قضية باك ضد بيل، مع التصريح سيء السمعة للقاضي، ويليام هوارد تافت، أفتى فيه " يكفي ثلاثة أجيال من المتخلفين عقلياً ". هذا القرار، المتجذر في علم تحسين النسل، لم يُلغَ رسمياً قط. ورغم أن أحكاماً لاحقة فندت منطقه، إلا أن السابقة لم تزل، تذكّر بشكلٍ مُرعب بأنه عندما يتلاشى التعاطف، يُمكن لما لا يُمكن التفكير فيه ان يغدو قانوناً.
هذا التردي باد للعيان.
ضعفت الرقابة الفيدرالية على التعليم الخاص، تنخفض حماية المعاقين، وتواجه التخفيض كذلك برامج مثل برنامج SOAR (برنامج التوعية والوصول والتعافي التابع لبرامج الضمان الاجتماعي التكميلي/الضمان الاجتماعي للإعاقة) - الذي يساعد الأشخاص ذوي التحديات بالصحة العقلية وتأمين المداخيل لذوي الإعاقات والرعاية الصحية والإسكان – مما يرغم الفئات المعوزة على ترك مساكنها. كما أُلغيت إجراءات تسهيلات الحصول على الدعم، بما في ذلك الترجمة بلغة الإشارة الأمريكية للمختصرات الإعلامية الصادرة عن البيت الأبيض، مما يشير إلى أن المشاركة في الحياة العامة باتت مشروطة.
لا تزال الطعون القانونية في المادة 504 من قانون إعادة التأهيل تثير الشكوك بصدد حماية الحقوق المدنية الأساس. حتى في حال تعليق الهجمات الشاملة أو الحد منها، تبقى الرسالة لا لبس فيها: حقوق ذوي الإعاقة موضع مساومات.
هكذا تتم عملية نزع الإنسانية. تبدأ بالخطابات الرنانة - لغة تُضعف التعاطف. ثم تأتي السياسات - التخفيضات، والتراجعات، وضعف تطبيقها. وأخيرًا يأتي الفصل العنصري، والتهميش، والإضرار المؤسسي.
هكذا تغدو عملية الحط من الكرامة الإنسانية. تبدأ بالخطب الرنانة - لغة تبلد التعاطف؛ تعقبها السياسات - حرمانات، تراجعات، وضعف التنفيذ. وأخيرا يأتي العزل، التهميش، والإضرار المؤسسي. يُظهر التاريخ أنه عندما يُهمّش الناس، يصبح من الأسهل التخلص منهم.
حذر ماكس دوناتيلي، المدافع عن حقوق ذوي الإعاقة وعن المحاربين القدامى في حرب فيتنام، من أن عدم الاحترام العلني البادي حاليا تجاه ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية.لم يسبق له مثيل. أما إيماني كرولي، مدربة الصحة السلوكية والمدافعة عن حقوق ذوي الإعاقة، فهي أكثر صراحة: هذه اللغة ليست جهلاً، بل هي انحراف .
السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو وجود الكرامة؛ فالعنف البنيوي، والسياسات التي تحرم الناس من الوصول، وإسكات أصواتهم، وتُجريدهم من كل حماية، إنما تُدمر الأرواح بهدوء، دون قنابل أو ساحات قتال، لكنها، مع ذلك تُدمرهم.
وكما يذكّرنا مارتن لوثر كينغ جونيور، قد لا يكون بمقدور القانون أن يجعل الناس يُحبّون بعضهم بعضًا، لكنه قادر على كبح العنف. عندما يقترن خطاب سحق إنسانية البشر بحماية جوفاء، تُصبح الكرامة مشروطة، ويُصبح العنف بنيويًا.
ليس هذا وهَنًا، بل هو مسؤولية.
كلمات اي رئيس أمة تعلّم من يُسمح له بهجرها؛ فحين نقبل لغةً تحيل أرواحا معينة بلا قيمة، فإننا بذلك نُطلق العنان لسياسات تستهلك في نهاية المطاف مركزها الأخلاقي.
لم يعد السؤال ما إذا كان مسموحا تداول هذه اللغة؛ إنما السؤال هل سنقاوم ثقافةً تُتعامل مع كرامة البشر كأمرٌ اختياري، وهل سنشرع المقاومة قبل ان يمد العنف الخفي أطرافه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |