|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 2 / 19
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، لم يكن يقدّم توجيهًا تقنيًا مرتبطًا بآلية بصرية بدائية، بل كان يؤسّس قاعدة جماعية في العبادة، قوامها الاجتماع، ووحدتها الرؤية المشتركة، لا تفرّد القرار ولا تسييسه. فالخطاب النبوي، كما هو معلوم في أصول الفقه، يُحمل على عموم الأمة ما لم يرد مخصّص، وهو هنا موجّه بصيغة الجمع، لا الفرد، وإلى الأمة، لا إلى سلطة سياسية بعينها.
وقد نبّه ابن تيمية إلى هذا المعنى بوضوح حين أكّد أن العبرة في العبادات الظاهرة هو اجتماع الناس لا تفرّقهم، وأن اختلاف المطالع لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لتمزيق الجماعة، لا سيما إذا ثبتت الرؤية ثبوتًا شرعيًا معتبرًا. بل ذهب في بعض فتاواه إلى أن إعلان الرؤية من بلدٍ ما، إذا شاع وثبت، يلزم سائر المسلمين الأخذ به، لأن المقصود من الصوم ليس الرؤية في ذاتها، بل تحقق دخول الشهر للأمة.
وهذا الفهم ينسجم تمامًا مع ما قرّره الإمام ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير، حيث شدّد على أن الشريعة الإسلامية شريعة وحدة وانتظام، وأن الأحكام التعبدية ذات البعد الجماعي لا يجوز تفسيرها تفسيرًا يُفضي إلى الفوضى والتشرذم. وعند تفسيره لقوله تعالى:
«واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا»
يؤكد ابن عاشور أن الجميع هنا ليست لفظًا بلاغيًا، بل تكليف شرعي صريح، وأن أي ممارسة دينية تُنتج الانقسام المتكرّر تُناقض المقصد القرآني، حتى لو استندت إلى تأويل فقهي جزئي.
أما في العصر الحديث، فقد كان يوسف القرضاوي أكثر وضوحًا وجرأة في ربط المسألة بسياقها السياسي المعاصر، حيث صرّح غير مرة بأن الأصل أن يصوم المسلمون جميعًا إذا ثبتت الرؤية في أي بلد إسلامي، لا سيما في عصر الاتصالات الفورية والدقة الفلكية. واعتبر أن التمسك المتعسّف بفكرة “السيادة القُطرية” في العبادات بدعة سياسية لا أصل لها في الفقه، وأنها تفرغ حديث النبي من معناه المقاصدي.
ويذهب القرضاوي إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن توحيد الصيام ليس مسألة شكلية، بل قضية وعي حضاري، لأن الأمة التي تعجز عن الاتفاق على بداية شهر قمري، كيف لها أن تتفق على مشروع نهضوي أو موقف مصيري؟
وعليه، فإن القول بأن على المسلمين أن يصوموا إذا أعلنت دولة ما ثبوت رؤية الهلال ليس قولًا شاذًا ولا خارجًا عن التراث، بل هو قولٌ مؤصّل شرعًا، ومدعوم مقاصديًا، وراجحٌ واقعًا. أما الإصرار على أن “لكل دولة هلالها”، فهو في حقيقته إسقاط سياسي معاصر على نص شرعي بريء، لم يعرفه المسلمون بهذا الشكل في تاريخهم الطويل.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف فقهي محتمل، بل في تحويل الخلاف إلى أداة سيطرة، وفي جعل العبادة قرارًا إداريًا، يُعلن بمرسوم، ويُلغى ببيان. وهنا تتحقق نبوءة العلماء حين حذّروا من تديين السياسة بدل تحكيم الدين في السياسة.
فالحديث النبوي لم يقل: صوموا إذا أعلنت وزارتكم، ولم يقل القرآن: واعتصموا بحبل الله ما لم يتعارض مع السيادة الوطنية. لكن ما يحدث اليوم هو إعادة صياغة الدين بلغة الدولة القُطرية، لا بلغة الأمة، وهو أخطر أشكال التحريف، لأنه لا يطعن في النص، بل في روحه ووظيفته الجامعة.
وخلاصة الأمر، أن صيام المسلمين معًا عند ثبوت الرؤية في أي بلد إسلامي هو التجسيد العملي لقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعًا»، وأن الإصرار على التفرّق ليس ورعًا فقهيًا، بل خضوعٌ سياسي مُقنّع بلباس الاجتهاد. ولن تستعيد الأمة وحدتها في الكبير، ما دامت عاجزة عن توحيد نفسها في الصغير.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |