حين تغني الخوارزميات أين تختبئ الروح؟

كرم نعمة
2026 / 2 / 19

في لحظة صفاء نادرة عند الموسيقار العراقي محمد جواد أموري، كان ذلك قبل أكثر من ثلاثين عاما، كنت أجلس قبالته ويجاورني الناقد عادل الهاشمي الذي حذرني من أن أمارس “لعبتي الصحافية” في ذلك المساء، فـ”أبو نصير” لا يحتمل الأسئلة المستفزة. ومع ذلك، أطلقت ما يشبه السؤال عن الأجواء التي عاشها عند تلحين تلك الروائع التي أرخت لتاريخ من الولع والوله والتساؤل في الغناء العراقي.
تراجع قليلاً وقال: هل تتخيل عندما يتشبع الملحن بالنص الشعري يدخل في دوامة من الوجع الموسيقي في صناعة الجملة المعبرة عن روح النص وليس آليته. شبه نفسه آنذاك بمفردة عراقية قاسية ومعبرة عن الاحتراق الداخلي.
هذا المثال لا ينتهي عند الملحن أموري. فقد عشت مع أيام الفنان كريم هميم وهو يصنع رائعته الموسيقية من قصيدة كاظم السعدي “أنا من ظلمك أغني” بصوت الفنان مضر محمد. كان اللحن مسيطراً على مزاجه الشخصي طوال الوقت، أشبه بحمى تسيطر على الجسد حتى تكتمل الأغنية.
ولنا أن نتخيل الأجواء التي يعيشها كاظم الساهر وهو يرسم جملته الموسيقية، حالة إنذار إبداعي تسيطر على المحيطين به. هكذا تولد الجملة الموسيقية الإنسانية بكم هائل من المشاعر الحقيقية.
لكن ماذا لو سُحقت كل تلك المشاعر والصناعة الإبداعية من قبل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وهو يصنع ألحاناً تجمع ملايين الأسماع حولها؟ أي مصير للروح الإنسانية بعدها؟ هل نحن بصدد قتل مشاعرنا الكامنة في الموسيقى، أم أننا نعيد تعريف الفن ليصبح انعكاساً لذكاء اصطناعي لا يملك وجداناً؟
اليوم، هناك تيار موسيقي مولّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، يتصدر قوائم الأغاني الأكثر انتشاراً، ويبرم عقود إنتاج لألحان وتسجيلات مؤلدة آلياً. منصات الموسيقى المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحلل كميات هائلة من الموسيقى المسجلة لتتعلم أصواتها وبنيتها وتعبيراتها، ثم تتيح للمستخدمين إنشاء موسيقاهم الخاصة عبر أوامر نصية أو صوتية.
يمكنك أن تطلب أغنية من الريف العراقي حزينة عن الانفصال بصوت مغنية، أو من المالوف المغربي وستقدم لك المنصة نسخة قريبة منها لأنها استوعبت مئات الأغاني المشابهة.
في البداية، رأى الفنانون وشركات الإنتاج أن الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر تهديد وجودي منذ انتشار القرصنة الإلكترونية التي غذتها منصات رقمية في مطلع الألفية. لكن المفارقة أن هذه الشركات نفسها تبنت التقنية لاحقاً، وأصبحت تراهن عليها كأداة إنتاجية جديدة!
الشركات التكنولوجية تروّج لهذه الظاهرة باعتبارها أكبر قفزة ديمقراطية في ثقافة إعادة المزج، مما يمكّن الجميع فعلياً من الإبداع الموسيقي. لكن الحجة المضادة تقول إن خفض جميع الحواجز أمام المشاركة والسماح بالتلاعب بالأغنية أو شخصية الموسيقي على نطاق واسع، يقلل بشكل كبير من قيمة العمل الإبداعي نفسه وينفيه.
يقول ديفيد بيرن، المغني وكاتب الأغاني الأميركي وقائد فرقة “Talking Heads” التي اشتهرت في الثمانينيات بأغنية Once in a Lifetime : الموسيقى الاصطناعية قد تكون مثيرة، لكنها تفتقر إلى العرق والدموع التي تصنع الأغنية الحقيقية.
أما هانز زيمر، المؤلف الموسيقي الألماني الشهير الذي ألّف موسيقى أفلام مثل “الأسد الملك” و”المصارع” فقد عبّر عن قلقه قائلاً: الخطر ليس أن تحل الآلة محلنا، بل أن نقبل نحن أن نصبح بلا روح.
وبيلي آيليش، المغنية الأميركية التي حصدت شهرة عالمية بأغنيتها “الرجل السيء”، قالت في مقابلة حديثة إنها لا تستطيع تخيل أغنية صادقة تُكتب بلا تجربة شخصية، حتى لو كانت الخوارزميات قادرة على تقليد الصوت والمزاج.
مقابل هذه الاراء المتصاعدة في العالم دعونا نترقب ما يقول الموسيقار السعودي عبدالرب ادريس والفنان المغربي عبدالهادي الدوكالي واليمني أحمد فتحي والعراقي جعفر الخفاف…
إنها مفارقة قاسية أن تجد نفسك مأخوذاً بأغنية جميلة، تلامس وجدانك، ثم تكتشف أنها مولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي. هنا يعيش الإنسان معضلة مزدوجة؛ فهو يحب الأغنية، لكنه في الوقت نفسه يشعر أنه خان ذاته، لأنه سمح لآلة أن تقتحم أعمق مناطق وجدانه.
هذا الشعور يفتح سؤالاً وجودياً: هل نحن نتعمد قتل إنسانيتنا حين نسمح للآلة أن تصوغ مشاعرنا؟ وهل يمكن أن نثق بدمعة تسيل على لحن لم يولد من قلب بشري؟
المخاوف تتسع لتشمل مستقبل صناعة الألحان نفسها. هل سيتوقف الملحنون عن العزف، ويركنون آلاتهم الموسيقية جانباً لأن هناك آلة صغيرة قادرة على إنتاج آلاف الألحان والقطع الموسيقية والسمفونيات في دقائق؟
إنها صورة مرعبة، قاعات فارغة، آلات صامتة، وأرواح مبدعين تُقصى من المشهد لأن الخوارزميات صارت البديل الأرخص والأسرع. لكن في المقابل، هناك من يرى أن هذه الأزمة قد تدفع الملحنين إلى إعادة اكتشاف جوهرهم، إلى التشبث أكثر بالروح الإنسانية التي لا يمكن للآلة أن تحاكيها مهما بلغت قدرتها الحسابية.
هنا يطل مفهوم “الاستلاب” كما صاغه الفلاسفة، الإنسان يُنتج فناً، ثم تأتي الآلة لتسلبه وتعيد إنتاجه بلا روح. الأغنية التي كانت مرآة للروح تتحول إلى مرآة خوارزمية.
أو كما يقول صديقي الكاتب السعودي طارق بن سعد القرني وهو يتأمل سؤالي عن الذكاء الاصطناعي كفاعل إنساني وابداعي معا: الإنسان المعاصر صار شيئًا من الأشياء في الغالب، صار يُفكَر له ولا يفكِر بذاته لذاته، وصارت الآلة تتحكم به سواء الذكاء الاصطناعي أم ماكان قبله من تقنيات، وهذا الحال هو مايصفه ميشيل فوكو بموت الإنسان؟
الفاعل الأخلاقي والابداعي سيكون حِمله على الإنسان لأنه هو المُحرِك لها – حسب المعهود – ولذا تطبق القوانين عليه، لكن في السنوات الأخيرة صارت القوانين تُطبق على التقنية بذاتها لأن الإنسان ضعف أمامها وهذه أولى مراحل تحكمها الحقيقي بالإنسان، فحين تُمنع تقنية معينة أو برنامج محدد فهذا يخفي اعترافًا بضعف الإنسان واستلابه وإن لم يُصرح بذلك، وهذا قلب معادلة الأخلاق – الكانطية تحديدا – التي تقول بمسؤولية الإنسان، مما سيغير بالضرورة مفهوم الحرية ويجعلها تمردا.
وهكذا، إنها ليست مجرد أزمة موسيقية، بل أزمة وجودية. هل يمكن للآلة أن تحاكي الاحتراق الداخلي للملحن؟ أم أن ما تنتجه سيظل دائماً نسخة بلا وجدان؟
إن قبولنا بهذا التحول يعني أننا نتعمد قتل إنسانيتنا، ونحوّل الفن من تجربة وجدانية إلى منتج حسابي.
فإذا كانت الأغنية هي مرآة الروح، فهل نقبل أن تصبح مرآة خوارزمية؟
بين سحر اللحن البشري وفتنة اللحن الاصطناعي، يقف المستقبل على مفترق طرق، حيث يختبر الإنسان قدرته على الدفاع عن مشاعره أمام آلة لا تعرف معنى الوجع ولا لذة الإبداع.
إنها ليست معركة بين التكنولوجيا والفن فحسب، بل معركة بين الإنسان وذاته، بين الرغبة في الانبهار بالآلة والخوف من فقدان جوهره الإنساني.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي