أيها المغاربة… هذه ليست كارثة طبيعية، هذه مرآتنا

فريد بوكاس
2026 / 2 / 15

ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

أيها المغاربة،

ما نعيشه اليوم ليس مجرد فيضانات عابرة، ولا أرقاما تُتلى في بلاغات رسمية، ولا صوراً تُلتقط ثم تُنسى. ما نعيشه هو اختبار جديد لكرامتنا، واختبار أقدم من كل الكوارث: هل نحن شعب يُحاسِب… أم جمهور يكتفي بالمشاهدة؟قيل لنا إن ستة آلاف درهم ستُمنح لكل أسرة متضررة، وخمسة عشر ألفاً لإصلاح المساكن والمحلات، ومائة وأربعين ألف درهم لإعادة بناء البيوت المنهارة. أرقام رُتّبت بعناية لتبدو “معقولة”، لكنها في الحقيقة لا تُعيد بيتاً، ولا تُنقذ رزقاً، ولا تُداوي جرحاً.
فاسألوا أنفسكم بصدق:
هل يمكن لمثل هذه المبالغ أن تعوّض أسرة فقدت كل شيء؟
هل هذا دعم… أم مجرد محاولة لإسكات الغضب؟

ثم اسألوا السؤال الذي يُراد لنا ألا نطرحه: من أين سيأتي هذا المال؟
بعد أن أعطى محمد السادس تعليماته، لم نسمع كلمة واحدة عن مصدر التمويل. لا ميزانية طارئة، لا إعادة ترتيب للأولويات، لا التزام صريح من الدولة بتحمل مسؤوليتها كاملة.
فهل يُدار هذا البلد بالقرارات أم بالارتجال؟
وهل تُواجه الكوارث بالتخطيط أم بالبلاغات؟


وأين صندوق الكوارث الذي أُنشئ خصيصاً لهذه اللحظات؟
لماذا لا نعرف حجمه؟
ولماذا لا نعرف كيف يُصرف؟
ولماذا يظهر اسمه في الخطب ويغيب عند المحاسبة؟


لا تقولوا إننا متشائمون. انظروا إلى التجربة القريبة: زلزال الحوز.
قرية نموذجية واحدة للكاميرات، وآلاف الأسر تُركت للبرد والانتظار.
فهل نثق اليوم أن السيناريو سيكون مختلفاً؟
أم أن “الاستثناء الإعلامي” سيُقدَّم مرة أخرى على أنه قاعدة؟


ثم هناك الصناديق التي يُطلب منا تمويلها كل مرة باسم التضامن:
صندوق محمد الخامس، صندوق الحسن الثاني، صندوق محمد السادس…
اسألوا بصوت عالٍ: أين ذهبت أموالها؟
من يراقبها؟
من يحاسبها؟
ولماذا يُطلب من الفقير أن يتبرع، بينما لا يُطلب من الدولة أن تكشف الحساب؟


أيها المغاربة،
المسألة لا تتوقف عند المال. الأخطر هو الثمن الذي يُطلب منا دفعه مقابل السؤال.
في هذا البلد، من يطالب بحقه يُعاقَب.
من يحتج سلمياً يُجرَّم.
من يكتب يُتابَع.
من ينتقد يُخوَّن.


لم تعد الاعتقالات السياسية حِكراً على الشباب.
النقيب والوزير السابق محمد زيان في السجن.
الناشطة سعيدة العلمي اعتُقلت مرتين.
وشباب الريف وجرادة وغيرهم يعرف العالم ما جرى لهم.
الرسالة واضحة: المطالبة بالكرامة خط أحمر.


لكن الأكثر إيلاماً من القمع… هو صمتنا.
صمت من كانوا بالأمس يرفعون شعارات النضال.
صمت من كانوا يتحدثون باسم حقوق الإنسان.
صمت جعل المعتقلين يبدون وكأنهم أخطأوا لأنهم طالبوا بحقوقنا جميعاً.


وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بلا مجاملة:
أي شعب نحن؟
هل نحن شعب ينسى من ضحّوا من أجله؟
هل نحن رعية تخاف السؤال وتبرر الصمت؟
هل نحن قطيع يغضب لحظة ثم يعود إلى الانتظار؟


أيها المغاربة،
الغلاء قادم، كما في كل مرة.
سترتفع الأسعار، وستُعاد مسرحية “قفة رمضان”، وسيُطلب منا الصبر مرة أخرى.
لكن الصبر الذي لا يُنتج كرامة… استسلام.
والتضامن الذي يُطلب من الفقير فقط… نفاق.


قولوا بوضوح:
لسنا متسولين في وطننا.
لسنا ضيوفاً على ثروات بلادنا.
لسنا أرقاماً في بلاغات.


الحقيقة التي يجب أن نواجهها دون خوف:
الشعب الذي يقبل أن تُدار كرامته بالصدقات، سيُحكم دائماً بالخوف.
والشعب الذي يصمت عن سجن أبنائه، سيصحو يوماً ليجد نفسه محروماً من صوته ومستقبله.


هذه ليست دعوة للفوضى،
بل دعوة للوعي.
ليست دعوة للكراهية،
بل دعوة للمساءلة.
وليست صرخة ضد الوطن،
بل صرخة من أجله.


إما أن نكون شعباً يُحاسِب،
أو نظل جمهوراً يُصفّق ويصمت وينتظر.
والتاريخ، كما الطبيعة، لا يرحم من يرفض أن يتعلم.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي